2009-02-15

خيالُ كاتب ومعجبوه الأبقار

عزى أحد الكتاب الناجحين نجاحه إليّ بأن سببه هو تلاعبه بالكلمات وحسب. وسأورد لكم هنا ما استطعت تذكره مما قاله لي أثناء جِلستي الأولى معه.

كتب أول ما كتب شخبطة بالكاد فهم هو معناها فنال ما نال من تصفيق وإعجاب وتحديق, كيف أنه كاتب في عقده الثاني من عمره استطاع توفيق الحروف المتنافرة بين أيدي الكثيرين ليحملها على التآلف في قالب جيد, وربما جديد.

كتب شيئاً للمرة الثانية ونال ما ناله في المرة الأولى. فأحس بنشوة عارمة كيف أنه يملك هذه الموهبة التي أخذ يطالعها في أقرانه مِن مَن هم في مثل عمره, فلم يجد مهتماً حتى بما يكتبه. وصفه البعض بالفريد, وآخرين بالنابغة المتمرد على عقله الصغير. فأخذت شهوته تستفحل تجاه ما يلمسه من أعجاب لتلاعبه بما يملك من مقدار ضئيل في جعبته من كلمات. وأخذ يكتب في أي شيء, وعن أي شيء. كتب عن الطير وتحليقها في الهواء, والأسماك والجبال والماء. رسم كتاباته على قزح الهتون, ودواجي المتون, والقمر والشمس والهواء. رأى إعجاباً ما بعده إعجاب. تجاوز العشرين وهو على ما هو من حال. إلا أن خياله في كل دقيقة يطغى دائماً على واقعه, فتمرد قليلاً على من حوله وأخذ يكتب الخيال. خيال في خيال في خيال. وحب وتقدير ومُشارُ بنان. وهكذا أصبح في غضون سنوات معدودة أشهر كاتب في مجتمعه الصغير. وهزيج الإعجاب والإطراء صرعه وأرهقه. فكما أن المهندس أو الطبيب سيألف ويسأم (ربما!) من لقب مهندس أو طبيب، فهكذا كاتبنا الصغير.

بدأ يبحث عن الغرائب والطرائف ليوردها في كتاباته. بدأ يكتب عن عوالم ليس لها وجود, وطموحات وأحلام جملود. يريد غير الهتاف والعِطاف. ولكن من حوله أخذوا يحفزونه ويسخّرون له الكتابة من جديد وكأنه أول كاتب ظهر على أرض البسيطة بينهم رأي العين. أخذوا يشبهون ما يكتبه بما يكتب أشهر الكتاب المعاصرين أو الراحلين. ونشوته في كل مرة تستنفر وتتعاظم كنارٍ أرهقناها رياحاً ووقود. كان مع كل هذا كاتبنا الصغير محافظاً على تواضعه, ولبسه ومسكنه. كان يتمرد على قلمه وحسب, وكان من يراه لا يعتقد البتة أنه كاتب ما قرأه عنه.

بدأ تمرد كتاباته في الطغيان والانزياح إلى أعمق ما وهب الإنسان من خيال. كان يتخيل البحر بسبعة أعين, والسماء بثور له قرون, والثور بريشة عمياء مسارها مسار النسيم. وأمه كان يراها في مرآة صفحاته كمريم البتول, والصحراء كلوحة من عطور باريس, وأصدقاءه يجزم أنهم كلعبة الكلمات, والنوم قارنه بحب الأنثى, والأنثى بسقوط أجاصة سأمت حياتها على أرض الخريف, والحاكم بالبطل الاسباني, وبالطبع المحكومين بالثيران. وكان خياله قد استطاع تشبيه كل الملابسات اليومية بمنازل القمر (شَرَحَ لي كيف ذلك!). تخصّب خياله أيما خصوبة بفضل روعة ما يكتبه كما يقولون ووصفهم لكتاباته بكتابات أستار الكعبة في الجاهلية. ومازال يلقى الهتاف والتشجيع. لقد ملّ. ملّ تماماً. يريد ناقداً لاذعاً من بين القرّاء الذين يتلهفون لما يكتبه وينتظرونه كمن ينتظر الغفران من قسيس معبد. لم يجد, ولن يجد.

لأنه كان يكتب لذاته, ويستلهم ذاته, ويتعابث أيضاً ويضحك من قرّاءه بينه وبين ذاته. كانت دائماً مسودته الأولى نتاج قلبه, وكان يفرح كثيراً إن فرغ منها, إلا أنه نادراً ما ينقّح نتاج قلبه بعقله. كل هذا كان يضعه نصب عينيه أثناء كتاباته. وقد استطاع من هول خياله, تنصيب من يعجب لما يقرأه له في موضع واحد: موضع البقرة التي إن سئمتْ من طريقة وضع العشب لها, يضعه لها بطريقة أخرى حتى تصفق له من جديد!

كان هذا ما ذكره لي الكاتب، ولم يكن من نسج الخيال كما سيظن البعض؛ بل هي جِلسة واقعية جلست فيها أمامه ولم أجده متكابراً ولا مغترّاً البتة كما سيعتقد البعض حال قراءتهم لوصفه قرّاءه بالبقر! حاولت جاهداً هنا أن أذكر ما قاله لي نقلاً عنه مع بعض التصرّف بإذنه بالطبع. وكانت هذه شكواه وهذا رأيه الذي خلص إليه ليصف به من يقرأ له.

صُدمت حينها, لأني ظننته قدوتي لإعجابي بما يكتبه في يوم من الأيام, حتى علمت رأيه فيمن يُصفّقون له!

هناك تعليق واحد:

  1. مجهول قال:
    يونيو 5th, 2006 at 5 يونيو 2006 12:22 م

    “صُدمت حينها, لأني ظننته قدوتي لإعجابي بما يكتبه في يوم من الأيام, حتى علمت رأيه فيمن يُصفّقون له!”

    هل صدمت أستاذ؟ أنا كذلك صدمت حين قرأت الكلمات !

    ولكن بما تصفنا أنت لأنني معجبة بك !!! انتظرت هنا بالأمس فلم أجد لك جديد وهاهو جديدك عن القراء والمعجبين .

    ردحذف