2009-02-15

ثمـَّنوها بالدم



في 28 مايو 2007 الساعة: 07:52 ص

الحُريّة حاجة مقدّسة على مر العصور. ومطلبٌ قامت على إثره حروب وصراعات. وألفت قصص وروايات. تخالفتِ الرؤى حولها، وتطابقَ بعضها. فالمعارضين رأوها في التحلل من قيود الأنظمة الحاكمة، والعِلمانيين صوّروها من خلال الفصل بين الحاجات الروحية والقومية الوطنية، والليبراليين أسسوا لها مبادئ تخرجهم من دائرة التقيّد بسياسة أو مقتضيات حزبية، والإسلاميين المتشددين شددوا على أنها اسم جامع لتطبيق الشريعة الإسلامية دون اجتهادات أو تغييرات يُقال أن العصر يفرضها، والديموقراطيين خلصوا إلى أنها تمسُّ التعبير ومفهوم التحليل الخاص بكل فئة من الناس بالدرجة الأولى!

ثمَّنوها بالدَّم، وظاهروا بها الخوافي، وأخفوا بغطائها شـُموساً من المنطق إعتقدنا بوجودها. وقلما تجدُ اثنان يعرفونها بتعريف واحد.

الحرية التي هي ضدَّ العبودية في ميزان التضاد اللغوي، هي ضدَّ أشياء أخرى أكثر في ميزان الكثير من التصنيفات التي قد يولج بنا فيها دون اختيار منا.

يقول أحدهم: "إن الحرية هي أن تختار قيودك بحرية"، ويقول إريك هوفر: "نشعر بالحرية عندما نهرب، حتى لو كان ذلك الفرار من المقلاة إلى النار".

كما ترون، فليست هناك أيديولوجية واضحة تحمي مفهوم الحرية، وتلغي تعقيدات معناها. والأدهى أن البعض مزج بينها وبين التخيير، وآخرين اشترطوا صحة وجودها في سوى الأمور التي نحنُ مسيّرون فيها. وتعقـّد أمر تعريفها أكثر حين تم ربطها بالقدر، وقـُدِّرَت بأنها "محاربة للأقدار التي تفرض القيود".

لقد استنتجتُ أنَّ للحرية شعاعاً كما شعاع تطاير الرَّماد، إنها مصطلحٌ نؤمن به بحدة النار، ونختلف في القناعة بتعريفه كما تتجهُ كل رُمْدَة في اتجاه. إنها سرابٌ ترسّخ وجوده بعقلية الإنسان منذ الأزل، وارتبط بتفسيره لوجوده وحقوقه في محيطه. وإن الحرية كذبة عالقة في عقلنا الباطن، تخلق لنا أهدافاً وتدعونا لتحقيقها.. وهكذا نستمر حتى نموت.

لن نختلف كثيراً! فالحرية موجوده وليست موجودة! ففسيلوجياً ليسَ لها وجود! فأنتَ لا تستطيع بأي حال أن تكون حُراً في تصرفات جسمك الإرادية، فضلاً عن اللا إرادية. فأنتَ لست حراً في الشعور بالنعاس والنوم، وكذلك لستَ حراً في حاجة جسدك للغذاء.

واجتماعياً، أين الحرية في حقوق زوجك ووالديك؟ بل حتى جارك، أنت لستَ حراً في رمي المخلفات أمام باب بيته.. أليس كذلك؟ ما هي الحرية التي يُنادي بها البعض في كل شؤون الحياة؟ أهيَ المتعلقة بالجانب السياسي وحسب؟ طيب! هل نحنُ حُرّون في اختيار جنسياتنا، وتحديد مساحات بلادنا؟ وإذا وُلدنا منتمين لأسرة حاكمة، هل لنا ثمة حرية في تغيير انتماءات آبائنا وأجدادنا، وبالتالي نتقي إعادة الإبحار ضد تيار من ينظرون لعائلتنا بالطاغوتية الإستبدادية؟

وحرية التعبير التي يُنادى بها في كل محفل! إنها بذات الخطوط الحمراء التي تم إرجاعها إلى الخلف قليلاً. فلا حرية تعبير وأنتَ تحدد لي المكان والزمان الذي أعبر فيه. هذا موجودٌ في كل الدول التي تقول عن نفسها بأنها تحترم كل الأعراق والأجناس. أنتَ لستَ حراً في التعبير عما تريد إلا إذا كانت أفكارك مقبولة ومستساغة، فأن تنادي بالإنقلاب أو تأليف حزبٍ لمحاربة الجيش أو الدخول إلى قاعة الأوركسترا بملابس رياضية أو وضع منصة والمُنادة بقتل الرئيس في الشانزليزيه أو الغناء في مراسم دفن أو النزول إلى الملعب أثناء إجراء مباراة رسمية أو القرمشة بصوت مرتفع في صالات السينما أو الاقتراب من نجوم هوليوود؛ أنتَ لست حر في أيٍ من هذا. هذا في تلك الدول، ماذا عن الدول العربية؟ العراق يريدونه بلداً حراً، وكلنا يعي إستحالة ذلك بعد الآن. الأنظمة العربية، جمعيات حقوق الإنسان العربية، الإنتخابات، الأجهزة الأمنية والقضائية، الواسطة، التعليم، التوظيف… كل هذا لا يحتاج لبرهنة كونه في كوكب، والحرية في كوكب آخر!

أنتَ كذلك لست حراً في عدم التقيد بالإملاء والنحو حين تكتب، ولستَ حراً في شرب الماء من أذنك، أو السلام باليسار، أو قيادة سيارتك إلى الخلف من حي لآخر، وكذلك لستَ حراً في عدم العمل والحصول على راتب شهري جيد.

إن تعريف الحرية شائك ومعقد، ولأنه كذلك.. فهيَ ليست موجودة أصلاً. الموجودُ هوَ فلسفة (خيارات) و(متطلبات). المتطلبات قد تكون دينية أو اجتماعية أو سياسية أو طبية أو هندسية أو منطقية. والخيارات تكمن في كل ما يرجعُ الأمر إليك في اختياره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق