2009-02-15

لقاءٌ وحَسْب



. . .

- سيادة الحاكم, أشكركم كثيراً على كرمكم وموافقتكم إجراء هذا اللقاء.

- العفو!

- حسناً. قلتم في آخر تصريح لكم - سيادة الحاكم - أنكم بصدد التوقيع وبعض الدول العربستانية على معاهدة مع دولة إسرائيل في . . .

- لا تقل دولة إسرائيل! إنها احتلال. مجرّد احتلال.

- عذراً سيادة الحاكم. ولكنكم صرّحتم وسميتموها دولة في اللقاء الصحفي الذي جمعكم والسيد رئيس الولايات المتحدة!

- أنا لم أقل ذلك.

- حسناً. أقول, أنّكم بصدد توقيع اتفاقية تقتضي عودة إسرائيل إلى حدود 67, وإلغاء مشروع الجدار الفاصل، والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين الذين لم توجّه لهم التهم, مقابل فتح المجال لرؤوس الأموال الإسرائيلية بالتجارة الحرة ضمن سياسة الانفتاح الاستثماري الأجنبي الذي أعلنته الدولة. ما تطلعاتكم لرد فعل الرأي العام إزاء هذه الاتفاقية؟

- نعم. في الحقيقة دولة إسرائـ . . . أقصد إسرائيل قد استنفدت كل الاتفاقيات المبرمة, ومن حقنا أن نختار الكيفية المناسبة لحلّ الأزمة الراهنة. وبإجماع مجلس الوزراء, ومجلس الشورى قررنا ذلك.

- ولكن سيادة الحاكم! بالرغم من ثقتنا المطلقة في تحركاتكم وتوجهاتكم ومبادراتكم, ألا ترَون بحكم أن الخروقات المتوالية من الحكومة الإسرائيلية للاتفاقيات السابق عهدها, أنّ التطبيع لن ينفع, والتعامل بمنطق (لا يلدغ مؤمن من جُحر مرتين) يقتضي القوة, وعدم التمكين؟

- مصلحة شعوبنا الإسلامية والعربستانية فوق كلّ مثل أو حكمة.

- ولكن . . .

- اسمع! بما أنّ هذا اللقاء ليس مُعلناً ولا مُصرّحاً به ولا مسؤول, سأخبرك أمراً. عدم تحركنا نحن حكّام عربستان رغم النزيف الحاصل في فلسطين، والعراق الآن، هو ما تقتضيه المصلحة الحقيقة. دعنا من هراءات الجُبن, ودعنا من تصريحات الاستنكار والاجتماعات المزيّفة التي أودت بنا إلى أردى دركات الخوف من إسرائيل, وأمريكا. صدقني أني لا أنام مرتاحاً إلا إن عرفت أنّ أمريكا راضية عني, وبالتالي إسرائيل. البُعد الجزائي لأيّ عمل غير مسؤول يُسيء لأمريكا هو ما يجعلنا نجتمع زيفاً, ونعلن أنّا سنفعل ونفعل. هكذا بعفوية. ولكن مكالمة أو رسالة واحدة (واشنطنونية) تُوقظنا من كلّ أحلامنا الوردية .. بالحريّة. لا تبأس يا مواطني, فهذا الطريق نحن من رسم معالمه - دون اكتراثٍ - حين وضعنا أنفسنا موضع الخلافات على حدودنا ومصالحنا الهامشيّة, وتركنا العنان, كلّ العنان, للدول الأخرى لتتقدم، وتتقدم, بحماقاتنا .. وخيراتنا. والآن! أمريكا سادت وغلبتِ الجميع, وأوربا اجتمعت لتصبح كتلة متكاتفة اقتصاديّاً وتطلعياً ومصيرياً. آه! أوربا, كل هذا رغم اختلافهم على عدة لغات وأجناس ومذاهب وبيئات وعملات. توحدوا, والعالم كلّه أصبح يخاطبهم كدولة واحدة, حتى أمريكا. كل هذا بعد يقينهم بأنّ العاصفة الأمريكية ستأزف ولن تذر. فتكتّلوا في منظومة فريدة. ونحن! اختلفنا, ولا زلنا نتخبّط في مشاكل بات الحديث عنها دنيئاً, ويعطي الانطباع بسخفنا وجبننا وشتاتنا الفكري, ومرضنا بالفوضى المؤبّدة.

- إحم. سيادة الحاكم. إذن عن مّاذا نتحدّث وماذا نحلّ إن لم نبدأ بالصغائر قبل الكبائر؟

- لنتحدّث مثلاً. مممم. ما رأيك بالنشيد الوطنيّ؟ ألا يحتاج إلى تجديد؟ أنا في الواقع أود نشيداً أكثر طربيّة وأقل جُموداً. وأحبّ أن يبدأ بمقطعٍ شرقيّ راقص!

- !!؟

- هه. لماذا تظن أني لست واقعيّاً, وأنّي لا أفتأ أفكر ببؤسكم وتأخركم؟ الواقع يفرض أن نبحث عن المتعة .. حتى تحت الحصى! لا تدري كيف أشعر كل ليلة. كل ليلة والله حين أتأمّل النفاق الذي نعيشه, وأنّ كلّ العُجب والمُقت والسُخط من أفعالنا نجده في عيون وعقول شعوبنا العربستانية. لا عليك. عِش حياتك, ولا تتخطَّ أحداثك اليومية الشخصية إلى متابعة نشرات الأخبار. إنسَ دماء إخوانك وأخواتك في كلّ مكان, لأنّ مجرّد التفكير بها لن يزيدك إلا غضباً ونقمة علينا نحن حكام عربستان. لا تُدر تلفازك إلا على أغنية جميلة, أو فيلم مشوّق، وانسَ تماماً أنّك عربستانيّ.

- ولكن يا سيادة الحاكم، أليس هذا هروبٌ من الواقع, واستمرار في الانحدار, وتضبيبٌ على شمسِ ساطعة رَمِضَة؟!

- دعني أسألك سؤالاً!

- نعم! نعم! بكلّ تأكيد سيادة الحاكم.

- ما هي نهايتك؟

- نهايتي؟ الموت!

- ها ها ها! لا أقصد لماذا تحمّل نفسك عناء البحثِ والتنقيب عن أخطائنا نحن حكّام عربستان, وتنسى أنّك تغادر زوجتك لتأتي إليّ, وهي مريضة تَفَاقم مرضها بلا مبالاتِك؟!

- ولكن !..

- لا تقل لي أن لقائي أهم. ولا تقل لي أن وظيفتك أهم. فالوفاق والاهتمام المتبادل بينكما أرجى وأبقى لكَ من الدنيا وما فيها. وخصوصاً أنها .. أنها تُحبّك.

- عفواً!!

- وأبناؤك؟! أمِن العدلِ أن تظلم ابنكَ بإجبارِهِ على المسار الأكاديميّ, وهو يهوى التعليم المهنيّ؟ وجارك؟ وأختك؟ وموظفوك؟؟

- !

- لا تسَلني كيف عرفت. ولكن هل رأيت متى يعظُمُ اهتمامك, وتتجلّى مبادراتك؟ أنا لا أدعوكَ للانغماس إلى داخلك, والتقوقع دون مجتمعك وأمّتك, ولكن أنتَ قلتَ أن الاهتمام بالصغائر أولى, وأنا أقول الاهتمام بالكبائر كحال أمتك وحكامها مهم, ومن حقك, ولكن الاهتمام بواقعك الشخصيّ هو الأطيب والأفيد والأهمّ. قليل من التأمّل, وكثيرٌ من سياسة البدء بالسهل سيقضي على هاجسك بلومي على أفعالي وأفعال حكّام عربستان. إدارة الدّول ليست سهلة, والتعامل فيها حسّاسٌ وذو ردودَ تلقائية, ومباغتة. دعكَ من كلّ هذا, وخُض غمار معركتك المقبلة, وابدأ بأحبّائك، وكيف تزيد من حبّهم لكَ وحبّك لهم. وأكرر عليك, انسَ أنّك عربستاني تعيس, وانسَ أيضاً أنّي حاكمك .. , وأني جبان متخاذل كما تقولون!

هناك تعليقان (2):

  1. مجهول قال:
    يونيو 5th, 2006 at 5 يونيو 2006 12:00 م

    وسميتموها دولة

    (( سيدكم بوش يأمركم بذلك ،، في قرارة أنفسكم هي دولة وفي لقاءاتكم هي دولة وأمام شعوبكم عليكم تغيير المفاهيم والمصطلحات حتى تكونوا اكثر ألتصاقا بعروشكم ، لاتخف سيدي كل مانهتم به هنا هو المصطلح فقط ولانبحث عن أي شئ آخر ، فهناك يجوز أن نقول دولة اسرائيل وهنا احذف دولة فقط وانعم بمزيد من الرفاهية هنا وهناك ))

    ردحذف
  2. مجهول قال:
    يونيو 5th, 2006 at 5 يونيو 2006 12:00 م

    إدارة الدّول ليست سهلة,

    (( الرحيل هو الحل الأمثل ))

    ردحذف