2009-02-16

يومُ جدة الوطني


في 25 سبتمبر 2007 الساعة: 09:20 ص

صادف أن كنتُ بالأمس في اليوم الوطني للسعودية، أتجول مع زوجتي في أحد المراكز التجارية المشهورة بجدة. وكان الاحتفال باليوم الوطني ظاهراً وحاضراً بقوة. النشيد الوطني، والزينة والأعلام، وجمهور متحلق حول مسرحٍ أُعد لهذه المناسبة (لا أدري ماذا قدموا على المسرح لأني كنت قد غادرت). الحقيقة، كان المشهَد يجعلك تشعر بنسائم الوطنية تنفذ إلى كل خلية في جسدك، وبنشوة خضراء منعشة، ومحبة بيضاء بهية كلها سعادة. الكل يضحك، ويبتسم، ويردد النشيد الوطني بفخر كلما غنت به جنبات السوق.

كنتُ متباين المشاعر حينها، ومختلط الأحبال. هل هذا عيد؟ أستغفر الله! علماؤنا يقولون أن لا عيد لنا سوى عيدي الفطر والحج. طيب لماذا أشعر بأن الناس تحتفل اليوم أكثر مما تحتفل في تلك الأعياد؟ يبدو أن الشيطان يزيّن لي ذلك!.. آه! إنه يوم الوطن / اليوم الوطني / يوم وطن / … أي شيء، لا يحتوي كلمة "عيد ". مع أن هذا يستغفل أهل اللغة وسدنة فصاحتها، فالعيد ما يعود، واليوم هو أمس وغداً، إلا أننا تعوّدنا في السعودية أن نقول: يوم الشجرة، يوم المرور، يوم المدرِّس… نقول كل هذا عبثاً وتحايلاً، ولا نقول: عيد الشجرة، وعيد المرور، مع أننا (نعود) ونقول هذا كل سنة.

تحدثتْ وسائل الإعلام والمجتمع عن حال المملكة العربية السعودية أمس، ويقال أن بعض الأكاديميين والتربويين السعوديين استاؤوا مما حدث، ووصفت مجموعة منهم اليوم الوطني باليوم الكارثيّ! وذلك إثر خروج الكثيرين من المراهقين والمراهقات (والراشدين والراشدات) عن الإطار المفروض من المدارس الدينية والمحافِظة، وتسلقهم لأسوار المُعتاد، وكسرهم لكل ما يمتُّ للروتين بصلة.

وألقى جمع من المواطنين باللائمة على وزارة الإعلام لأنها سمحت للغزو الفكري بأن يجعل هؤلاء المراهقين يصبغون وجوههم وسياراتهم، ويرصّون الأساور على سواعدهم، ويلبسون ملابس (عالمية) بلمسات وطنية، تزيّنها (بروشات) عليها صورة الملك عبد الله، وأخرى عليها العلم الوطني محاطاً بأضوية متحركة.

لا أدري ماذا قصد أولئك النخبة، ولكن توقعتُ أن يكونوا أكثر واقعية، فهذه المناسبات تستحق أن تكتب فيها رسائل دكتوراة… لأن وضع شبابنا فعلاً – وبسببهم - كارثي.

لو لم تنمِّ فينا ما نمَّيتَ ما كنتُ ترانا يا أبانا نسكرُ

إلى متى سنظل أطفالاً؟ وننظر إلى حكومتنا على أنها المربية والمؤدِّبة والسّجانة، ونلعبُ دور الساذج الذي لا يرعوي حتى يُنهر، ولا ينتهي حتى يُخالف ويُستـَوْقف. متى ينتهي استنجادنا في الصغيرات قبل الكبيرات بالشرطة والهيئة؟ العصر الذي نحياه مختلف، وكل اللوم على الذي لا يُقدِّر أن شبابنا أصبحوا يحيَوْنَ حياة مَن يريدون، كيفما يريدون، ووقتما يريدون، من غرف جلوسهم ونومهم.

إنهم يبحثون عن كل مناسبة ليعملوا ما يشاهدونه ويسمعونه كل يوم، من انتصارات المنتخب إلى الأيام الوطنية. هذا طبيعي، لأنهم ببساطة ملّوا من العيدين وتحوّلهما المضطرد إلى عيدي الأهل والزيارات العائلية. وهـُم يرغبون – حقاً – بالتجديد والإنفلات عن هذا الواقع الذي يعيشونه منذ حفظوا جدول الضرب.

الشباب الذين إذا جن ليلهم أين سيُرجى أن يذهبوا؟ والوقت الجم الذي يملكونه، أتراهم سيقضونه في قراءة رواية أم ممارسة هواية المخترعات الإلكترونية أم سبر أغوار لوحة الموناليزا؟ إنه اليوم الوطني يا عالم! اليوم الذي يكسرون قبله صناديق بريد واصل، ويشتمون بالقوافي مرافق هذا الوطن التعليمية والخدمية، ويرمون كل شيء (أكرر كل شيء) من نوافذ سياراتهم… وإذا جاء 23 سبتمبر يعلنون عن حبهم وهيامهم وعشقهم بهذا الوطن وتربته، فيعبّرون بجنون (حقيقي) وهستيري عن ذاك الولاء!

وماذا أيضاً؟ نعم، يوجد الكثير. البنات الجميلات، التلميحات، المواكب، المعاكسات، الأهازيج الوطنية، اللون الأخضر والأبيض في كل مكان. والشرطة تقول: لدينا تعليمات بأن لا نتدخل اليوم، دعوهم يفرحون.


هناك تعليقان (2):

  1. مجهول قال:
    نوفمبر 4th, 2007 at 4 نوفمبر 2007 2:51 م

    اخي محمد ..

    انا اعترض على ما تلفظت به من اللفاظ على مسمى اليوم الوطني بإطلاق لفظ “العيد” او ماشبه ذلك مما يخلاف هدينا وشريعتنا ، ان قرار الدوله بمنح اجازه رسميه في ذلك اليوم هو زياده الحس الوطني لدى الشعب وزياده الثقافه الوطنيه مما يغرس في الموطنين حبا وشغفا بالوطن وكذلك ما ينطبق بفوز المنتخب ومسيارات التشجيع فكل ذلك نابع عن حب من ابناء الوطن ليواكبوا مسيره بلادهم . اتمنى ان اراك قريبا في احد المناسبات الوطنيه وحاملا الخافق الاخضر فلا داعي لا تضخيم الامور وكتمان المشاعر التي سئيم منها العالم العربي . وشكرا

    ردحذف
  2. مجهول قال:
    نوفمبر 10th, 2007 at 10 نوفمبر 2007 11:30 ص

    اتفق معك في قضية الاعياد بشكل عام والعيد الوطني في شكل خاص
    واركز على نقطة حب الوطن ,, في الوقت الذي يتغزل ويهيم المواطن في وطنه من جهة في يوم واحد, تجده يمارس “حبه” لوطنه في الايام الباقية
    اما حكاية عدم تدخل الشرطة والجهات المعنية في ما يتعدى حدود الادب والذوق العام, ههههههه
    شر البلية ما يضحك

    ردحذف