2009-02-15

لأنّا مختلفون



إني مصابٌ بحالة من اللا مبالة، والسأم من التفكر في حكمة أنا مختلفين لا ينبغي لأحد منا التطاول على الآخر ولا نبذه، بل ولا حتى إقناعه بالأفكار والآراء المعششة في الناحية المقابلة لما يؤمن به هوَ!

وتعاظم علي الأمر حتى أني بدأت أشعر بانعدام فائدة النقد بكل أنواعه ومجالاته!


فنقد القصة والمقالة هوَ رأي شخصي، ليس علي الأخذ به، بحكم أنا مختلفين!


ونقد أحدهم لغيره بسبب شكله وهيئته، أو التطاول على تلك بسبب قوة رائحتها الأنثوية في ممرات السوق، كل هذا ليس له داعٍ ولا أصل، لأنا مختلفون.


هناك أسس، وهناك قواعد دينية يجب أن نراعيها، وعلى إثرها نتناصح.. أنا مؤمن بهذا كل الإيمان.. لقوله جل شأنه: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}.


الشِعر الموزون المقفى، علم العَروض والقافية؛ أكان مهماً ومصيرياً أن نحتذي بعلم "الفراهيدي"، فلا نصوغ أشعارنا إلا على هواه.. ونحن مختلفون عنه؟ إني لا أتحدث عن الشعر الحُر.. فلا قوالب ولا مصبّات له.


طيب، وبقية فنون الأدب! أعندما ينتقد الكاتب والقاص والروائي الأديب الدكتور فلان بن علاّن، أقول عندما ينتقد نجيب محفوظ مثلاً أو غازي القصيبي، هل يجب علينا أن نكترث لانتقاده؟ أو حتى نشتري له كتاباً ناقداً؟ إنه مختلف، والاختلاف يولّد النقد، ولأني مؤمن بأن الكل عن الكل مختلف، فلا ولن يهمني!


وطيب وتصميم السيارة المرسيدس الجديدة، وقوة السيارة البورش، وروعة نظام ماكنتوش.. أكل هذا يجب أن نتفق على الإعجاب به؟ لا.. لأنا مختلفون.


إن هذا التضارب له حسناته الكثيرة، فلم أعد أكترث البتة إن لم يعجب أحدهم ثوبي، أو قصتي، أو ساعتي، أو كتاباتي أو أفكاري.. وهذا بحد ذاته صحي. ولكن لهذا التضارب أيضاً سيئاته الأكثر.. كما ترون. فلم يعد يهمني رأي فلان بعلان، ورأي المحلل الرياضي بالمباراة، ورأي الناقد عبد البار بكتابات الروائي عبد الستار، ورأي المقدّم منصور بالفنانة بحور، ورأيكم بي، أو اختلافي معكم..

ألمستم كم أنا ضائع؟


حكاية هذه الفلسفة أتت كما يلي:

إن من آكد ما تنادي به عملية الإصلاح في الخطاب السياسي والديني والإعلامي هوَ الاعتراف بالآخر وتقبل اختلافه، والإيمان بأن ليس هناك (مثالية) ولا قوالب يحتذى بها في السياسة والدين والإعلام.

فبدأ مؤخراً تحفيز الخطاب الديني على أن يشتمل عدة أمور، من أهمها: أن يُفهِم ويُعلِن المفتي عن أن لبعض الأسلة الفقهية عدة فتاويٍ مختلفة، وللمستفتي أن يختار ما يشاء منها مستفتياً قلبه وحسن إدراكه؛ ككشف وجه المرأة، والموسيقى، وصلاة الجماعة وسماع النداء. وكذلك أنّ على المحدّث بالدين أن يراعي المكان والزمان، لما ورد عن أكثر من إمام من السلف أنهم غيروا فتاويهم عندما انتقلوا من بيئة إلى أخرى، مثل الإمام الشافعي حين انتقل من مصر إلى البصرة.


والخطاب السياسي كذلك.. ينبع اختلافه من اختلاف الساسة. فليس حتماً أن يتطابق رأي الوزير ونائبه، وليس مؤكداً أن يتفق الرئيس ونائبه. بل إن الفوقية تفرض السمع والطاعة، وإذا ارتأى ذاك النائب أن رئيسه بدأ يتملق من تناقضه معه، أثار الثائرة، وانقلب عليه.


السياسة عالم التواري والترغيب والترهيب والخرافة!


المهم أن خطاب السياسة الجديد يدعوا إلى الإيمان بالاختلاف.. وهذا شاهدي.


نأتي إلى الإعلام..

إن أعظم ما يشهد لذلك التحضيرات للحوار الوطني السعودي الأخير التي راقتني كثيراً.. لأن هناك ثلة ليست بقليلة تتحدث بمعظم ما أتفق معهم عليه. والأجمل من كل هذا أنهم اتفقوا على أنهم مختلفون، وعلى الجميع تقبل أو رفض آراء الجميع، في حوار هادئ لطيف مبنيٍّ على "ليس مهمّاً أن نتفق، بقدر ما هو مهم أن نفهم الآخر".

أدري.. ستختلفوا معي، وقد تتفقوا!

هناك تعليقان (2):

  1. مجهول قال:
    يونيو 5th, 2006 at 5 يونيو 2006 12:03 م

    “ليس مهمّاً أن نتفق، بقدر ما هو مهم أن نفهم الآخر”.

    كذا ليس مهما أن نختلف ، بقدر ماهو مهم أن نتفق على احترام الآخر “

    ردحذف
  2. مجهول قال:
    يونيو 5th, 2006 at 5 يونيو 2006 12:04 م

    أدري.. ستختلفوا معي، وقد تتفقوا!

    وهو كذلك

    أما

    سنختلف

    أو

    نتفق
    ؟!

    لكنني أعلم حقيقة واحدة

    بأنني أتفق

    مع

    نفسي على الأقل

    بأن الروائع تزداد يوما بعد آخر

    بالتوفيق ان شاء الله ،،،

    ردحذف