2009-02-16

حُريـَّة التعبير



في 6 أغسطس 2007 الساعة: 10:13 ص

للعصر الذي نعيشه الكثير من السمات والمصطلحات التي ارتبطت به ارتباطاً وثيقاً، وأصبحنا نسمعها وربما نرددها في اليوم عدة مرات!

ومصطلح "حرية التعبير" الذي يُطلق على مطلبٍ عالمي شعبي، له رنة إبداعية يفهمها المُجدِّدون، وضجيج لا يسمعه إلا التقليديون. المجددون هم الذين يفكرون عن أنفسهم بعقولهم، ويُعبّرون عن آرائهم بوضوح مهما احتدم الصِّدام؛ أما التقليديون، فهم الذين انبروا على حدودٍ يحبونها بعينها، ولا يودّون تجاوزها اعتياداً وتسليماً ليس إلا.

وبذلك، اختلفت على تعدد درجات المنتمين إلى هذين التيارين الأقصيين، تعاريف الناس وفهمهم لـ "حرية التعبير". ولأنها "حرية التعبير"، فهم على كل حال حُرُّون فيما يَرَوْن، وليس عليهم فيما يقولون لومة لائم.

إن المشكلة الكبرى ليست في تعريف "حرية التعبير"! فالتعبير عن الآراء مفتوحٌ انفتاحَ السماء على الأرض. وليس مِن شأن أحد أن يُثني أحداً عَن رأيه مهما كان. فالذي يـُؤلف كتاباً – مثلاً – يرى فيه أن حروف الجَر 28، وبحور الشعر 99، ومخترع الضوء عربي جاهلي؛ هوَ حُرٌ فيما يقول، وعلى الناس تصديقه أو مُحاجَّته. وعليه بدوره أن يكون مستعداً للذودِ عن آرائه ومُعتقداته أمامهم.

حسناً! ماذا لو رسم أحدهم صوراً جنسية على جِدار بيته؟ هل هذا أيضاً يُصنف ضمن حرية التعبير؟ الحقيقة أن الجواب: لا. لأن من شروط حرية التعبير "عدم إساءة الأدب". فالذي يسيء إلى الذوق العام – على اختلافه من مجتمعٍ إلى آخر – يخرج عن إطار حرية التعبير، وعلى ما فعل تجب محاسبته ومجازاته. وتقاس على هذا تلك الأزمة التي سببتها الرسوم الدنماركية المسيئة لنبينا صلى الله عليه وسلم. إننا لسنا ضد محاجتنا في نبينا أو رسالته أو كتابه كمسلمين، ولكنا ضد الإساءة إليه وإلى ما نعتقد به ونرى أنه حق.

هذا أولاً! إنها "حرية التعبير" دون الإساءة لأحد.

وثانياً، "حرية التعبير" دون الإساءة لنظام الدولة. فلو نادى أحدهم – مثلاً - بصحيّة المخدرات واستحبابها لسلامة القلب. هو هنا حر في رأيه، ولكنه يسيء للدولة التي تمنعه. هذا يجب تجريمه ومنعه. وكذلك الذي يرى عدم شرعية حكومة بلاده، فهذا أيضاً يسيء إلى نظام الدولة، وتجب محاكمته.

أذكر هنا في نفس السياق آراء بعض العُلماء حول تغيير المسلم لدينه، وانخراط بعضهم في القول بأن: تغيير المسلم لدينه يُعد من الحرية الإنسانية ما لم يمس أمن الدولة، وهذا ما حدث في عهدِ أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين ارتدَّ بعضُ المسلمين عن دينهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فحاربهم وقاتلهم، ليس لأنهم مرتدون بقدر ما لأنهم خرجوا عن نظام الدولة الإسلامية وخالفوا دستورها المستمد من شرع الله جل شأنه. ودليل تيك الفئة من العلماء قوله تعالى: "لا إكراه في الدين".

إن الشخص ليس حراً في التعبير عن رأيه علانية بمناهضة الحكومة في بلد من البلدان أو قوانينها، لأن في هذا – كما أسلفت – إساءة لنظام الدولة ودستورها. ونظام الدولة أساس معيشي عرفه الإنسان منذ قدم الزمان. قِدم الطغاة وخوفهم من الصالحين الذين يُألـِّبُون المجتمعات على حُكامها التي تنادي وتطبق ما لا يُرضى الله.

تأتي أخيراً إشكالية الممارسة. فالتعبير يبقى معنوياً ما لم يُمارَس فيصير حِسّياً، وعندها – فقط - سننظر إليه بزاوية أخرى لها حدود. فالذي يقول بجواز الخمر – مثلاً – هو حرٌ في ما يقول، وعلى العلماء والعارفين ثنيه عن رأيه ببرهنة عكس ما يراه. ولكن إن تعدَّى هذا الشخص رأيه (المَقول) إلى ممارسة (فعلية) لما يراه، فهوَ الآن يُمارس ممنوعاً، وعلينا مجازاته.

خلاصة القول، إن حرية التعبير فضاءٌ لا قرار له، ولكن لهذا الفضاء أخلاقيات وشروط يجب على الواحد اتباعها قبل السباحة فيه، حتى لا يُوصف بالجُنون أو يُجرَّم أو يُقاتل. فيجب على المُعبِّر أن:

* لا يُسئ للذوق العام أو لأحد حين يُطلق آراءه.
* لا يُسئ لنظام دولته.
* لا يُمارس (فعلياً) ما يسيء للذوق العام أو الدولة.


وبَعدُ، إنْ أخذ بالحُسبان أحدُهـُم تلك أخلاقيات وطبّقها بمقتضياتها المكانية والزمانية؛ على الآخرين تقبله ومهادنته وعدم امتهانه أو الاستهزاء به أو بما جاء به من آراء مهما كانت غريبة أو متطرفة أو مُخالِفة، ولهم أن يُحاجونه بالحُسنى إن رأوا ضرورة ذلك، وإلا… فهوَ حُر فيما يـُعبِّر عنه.

هناك تعليق واحد:

  1. وحيدة أنا قال:
    أكتوبر 16th, 2007 at 16 أكتوبر 2007 5:06 ص


    رائع ما كتبت أخي

    بدون مبالغة تصلح أن تكون مقالة يقرأها آلاف من قراء الصحف اليومية

    لكن في خلاصة القول كتبت “يجب على الواحد” وكان من الأصح أن تكتب على من يبحث عن حرية التعبير اتباعها أو على من يطالب بحرية التعبير اتباعها أو على من يسعى لحرية التعبير اتباعها أو على من يريد أن يكون حر في تعبيره عن رأيه اتباعها…

    أليس من حرية التعبير أن أبدي رأيي بما كتبت؟

    ردحذف