2010-04-02

الجلادون الوحيدون!


في إحدى رحلاتي للتصوير الإعلاني، كانت الوجهة ماليزيا، والتي زرتها حينها لأول مرة، وذهبت هناك بمنصبٍ لم أختره لنفسي، ولكني رضيتُ دون تردد، إذ كان: اختصاصي الثقافة السعودية. كنتُ الحل لمشكلة مُزمنة يُمارسها التعليم الجامعي عندنا. مشكلة عدم وجود كليات تُدرِّس الدعاية والإعلان، فالاقتحام غير السعودي للسوق السعودي في مجال الدعاية والإعلان له ما يُبرِّره، ولذا تُراني أردد في نفسي حين أشاهد إعلاناً لا يُمثل مجتمعنا، وقام عليه ثُلة من غير السعوديين: هذه ليست مشكلتهم، إنها مشكلتنا.

أهي مشكلتنا أم مشكلة وزارة التعليم العالي أم مشكلة مجلس الوزراء؟ أعني: هل نحن الأناس العاديين معنيين بهذه المشكلة وغيرها مِمَّا لا يد لنا فيه؟ نحنُ نتحدث كثيراً عن مشاكل البلد والمسؤولين، ولسنا وحدنا على أي حال، فكل الشعوب تتحدث عن حكوماتها، ولكني أشعر مِن حوارات معظم المجالس والتجمعات أننا الجلادون الوحيدون. طيب، وماذا بعد؟ هل يُسمع لنا؟ وخصوصاً أن مِن بيننا من يظن أنه خُلق ليكون رئيس دولة! لا تعجبه شاردة ولا واردة من حكومته، ويظن أن ما يقوله الأفضل دائماً.

هل سأصاب بالرتابة من كثرة نُقاد الوضع العام في وطني، كما أصابتني السياسة بالغثيان والسأم؟ الناس تحب هذه الأحاديث، فالإنسان يَهوى ما يُعبر عنه، ولذلك كُتاب الأعمدة الصحفية يمتهنون النقد، والمدونات، وتويتر، لأن لها جمهور كبير، وتُعبِّر عن حُلم كبير. طيب، أكرر، وماذا بعد؟ أدري أن الهدف هو توجيه نظر القيادة للاهتمام برأي أصبح عاماً، تماماً كما حدث في قصص كثيرة، حين تدخلت القيادة، وأرضت أصحاب الرأي العام بإقرار ما صبوا إليه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ولكني أنا... مللت. مللت من تكرار ما قيل وسيُقال: التعليم، الصحة، المواصلات، البلديات،...،.... . والذي يُضحكني أحياناً أن هناكَ من يتفنن في البحث عمَّا ينتقده! يترك كل شيء، ويُردد: البقالات داخل الأحياء غير مُنظمة، وتُعد بؤراً للرذيلة من خلال العلاقات التي تساعد عليها بين عُمال البقالة والعاملات في المنازل! فيأتيه أحدهم ليُغير عليه بأنه ترك كل الأزمات التي نعيش، وركَّز على البقالات! طيب، هذا يتصادم مع حرية التعبير التي ننادي بها! أليس مِن حقي أن أعبر عن رأيي في كل شيء؟ البقالات داخل الأحياء جزء من الأشياء. وهكذا تدور الدوائر، ولا تنتهي، حتى يُوضح الفرق بين حرية التعبير والمنادة باختيار المواضيع التي يجب تُنتقد.

رسالة الإعلام الأساسية هي: المصداقية في نقل الأحداث. إنه (إعلام) وليس (انتقاد). معنى هذا أن الحياد مَطلوب. والسؤال هنا: هل الحياد يقتضي أن لا أعبر عن رأيي حين أنقل الخبر؟ رأي الناقِل يؤثر، وليس هناك حِياد مُطلق في الإعلام، لأنه مُرتبط بصوت يُؤديه، صوت الحكومة أو صوت مدير القناة أو صوت رئيس التحرير أو صوت المواطن أو صوت الوقت. المهم أن هناك صوت.

بدأت بقصة ماليزيا لأنها مِثالٌ على استِدعاء تبِعاتِ مشكلة، تطلبت نقداً، ثم اختباراً لفكرة استحقاق النقد من زاوية حرية التعبير، ثم تمرير هذا النقد على كل إعلام كإعلامِنا يدِّعي الحِياد وغارق في الانتقادية، لأقول: جميل حِس النقد، ولكن مواجهته في كل ساعة من ساعات اليوم يُضعف عند الكثيرين الإقبال على الحياة، ويقتل الطاقات، ويُهاجر بالعقول إلى مُختلِف أنواع الهِجَر؛ فالنضحك كثيراً ولنبكِ قليلاً، ولنصنع أقدارنا بصَمت وجِد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق