2010-04-05

لكنِّي نسَّاي!

نتقابل مع الكثيرين، في اليوم أو في الأسبوع، وننسى أسماءً وأخرى تبقى رهينة الهاتف الجوال، نمر عليها بعد فترة لنستغرب! "مَن هذا؟ ولماذا احتفظت برقمه"؟ وتدور بنا الأرض حيث لا تقِف إذ نقِف! بابتعادِ الذكرى نبتعد، ونادراً ما نقترب مِمَّن يبتعد. والناس مِن حولنا لا يفهمون إلا ما يُشاهدون! "ألو.. ألم تعرفني؟ لماذا لم تُخزِّن رقمي؟" أأقول أني حذفته بيدي؟ "لا! لا! غيرت جوَّالي، وضاعت الأرقام" العُذر المُبتذل المفضوح.

وهناك مَن لا ينسى لِذاكرة حديدية، أو مُفكرة يدوِّن بها كل شيء. هل يصح أن ندوِّن كل شيء؟ "اليوم فقعت حبَّة على أنفي" فقعت أم فقأت؟ لِللُّغة أَبَالِسَة، كما أن للشعر شياطين. لا يهم! "ما لي ومال عُصارة حبوبك؟" لا! يا أخي افهم! ليس كُل ما يُنشر يعنيك بالضرورة. مبدأ الحالة على فيس بوك هو: "وتس إن يور مايند؟"، وعلى تويتر: "وتس هابينينغ؟" هابينينغ أم هابينينج؟ قـُلت لا يهم، ابتعد عني يا إبليس. إذن ما أكتبه لا يعنيك بالضرورة، رُبما يعني أحداً ما، في لِستة الأصدقاء التي لم أقابل معظمهم في حياتي.

والنِّسيان نِعمة.. ونِقمة. "نسيتُ خائنتي، ولا أتذكر أين أوقفت سيارتي!" البنات يضحكون من الذي أضاع موقف سيارته، هكذا أشعر. إنَّ غداً لِناظِره قريبُ. يا رب أشوف فيكُنَّ يوماً: "ضغطت على البنزين وقصدي الفرامل، وصدمت في السور.. نسيت" أو "يووه.. نسيت أقفل السويتش وآخذ المفتاح قبل ما أخرج من السيارة وطلعت البيت ونمت". صاحبي سوَّاها! نسي يقفل محرك سيارته وراح لمكتبه ورجع بعد 8 ساعات. الحمد لله، عدت على خير. سيارته سوزوكي. سمعت أنَّ سوزوكي هي الشركة اليابانية الوحيدة التي لا تزال تُصنِّع سياراتها في اليابان. شكله العشاء اليوم سوشِي.

كلنا يَنسى. "يا أخي ما يجوز، لا تقول يَنسى، قول يُنسَّى لقول الله تعالى: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره". أنا عمَّمت! قلت: "كلنا يَنسى". لم أحدِّد نوع المَنسِي. هل الشيطان يُنسيني أن آكل باليسار ؟ أو أن أماطِل في دفع الإيجار؟ الشيطان يُنسينا الخير وما يجلب لنا الحسنات، ولكنه لا يُنسِّينا أن نُخطيء. لذا نحنُ نخطيء. وننسى أن نتصل بوالِدَينا وننسى أن نضبط المنبه على وقت صلاة الفجر وننسى أن نَسْتَاكَ قبل الصلاة، حتى لو كان المسواك في جيبنا العُلوي من الثوب.

النسيان لا يعني قلة الحِفظ. ولا تأتوني بسيرة وكيع الذي حكى عنه الشافعي، لأنَّ ما يقوله بِدعة في الدين، قِياساً على أنَّ الدعاء الجماعي بِدعة لم ترد في مصادر التشريع. استُلهِمتُ هذا القياس لأنَّ المعاصي ليستْ سبباً لِقلة الحفظ بحكم عدم ورود هذا – أيضاً – في الكتاب ولا في السُنة. ثم أن الشافعي شكى "سوء حِفظه". هل يستطيع أحد أن يأتيني بدليل على أنه لم يكن يرغب بحفظ أبيات في الغزل لقيس بن الملوَّح؟ فالشافعي – رحمه الله – شاعر، كما أنه عالم في اللغة والدين والفقه. نسيت أني فتحت سيرة "النسيان لا يعني قلة الحفظ" ولكن الأستاذ وكيع استثار ثرثرتي.

كُنت أقول: "إنَّ النسيان لا يعني قلة الحِفظ". لأنَّ النسيان في علم النفس هو: "هو عدم استحضار معلومة من المعلومات لِعلَّة من العلل عِند الحاجة إليها". فأنا قد أحفظ آلاف الأبيات والأحاديث والقصص والمأثورات، ولكني أفتقد لحِس استحضار المعلومة، هنا أنا لستُ قليل الحفظ، ولكني نسَّاي بعين علماء النفس. يعني ذاكرتي مُش ولا بُد، وتحتاج لصيانة تبدأ بمحاولة تذكر الحروف الأبجدية والنشيد الوطني وأسماء مدرِّسي المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة وأشكالهم، وماذا تغدَّيت في الأسبوع الماضي، في مثل هذا اليوم.

هناك تعليق واحد: