أضواء المسرح وعتمة الأرواح



تنساب جموع المشاهدين في هذه الأيام نحو صالات السينما المعتمة، ترقباً لانبعاث طيف غاب عن عالمنا، حيث يتجسد ملك البوب مجدداً عبر فيلم يحمل اسمه ويتصدر المشهد الفني الراهن. ينهض جعفر جاكسون ليحمل إرث عمه الثقيل، معيداً رسم تلك الخطوات السحرية المنزلقة إلى الوراء ببراعة، لترتفع هتافات الحاضرين المأخوذين ببريق اللحظة المشتعلة. غير أن هذا الضجيج البصري الساحر يقدم سرداً ملائكياً منزهاً عن الزلل، متجاهلاً الأغوار السحيقة لروح تهشمت تحت وطأة الأضواء منذ بدايات ظهوره الأول مع فرقة إخوته في شهر أغسطس 1969. لقد قرر صناع العمل غسل خطايا الماضي ومحو ندوب الروح والجسد، ليقدموا لنا أيقونة غنائية لا تقهر، محولين الألم الإنساني الفادح الذي عاشه إلى مجرد استعراض بلاستيكي مبهر يفتقر إلى صدق المعاناة الحقيقية، وكأن المأساة العميقة يمكن تبييضها وتلميعها ببساطة، تماماً كما يُبيّض الجلد للهروب من قسوة المرايا وصخب الذكريات.

إن هذا التجميل السينمائي، الذي يسعى جاهداً إلى تقديم صورة مثالية خالية من كل نقيصة، يبدو كمسرحية عبثية تثير الضحك المر، ويشبه إلى حد بعيد تلك العمليات الجراحية القاسية التي خضع لها النجم الراحل في حياته، محاولاً سلخ جلده وتغيير ملامحه الأصلية ليهرب من واقع يطارده في كل زاوية. تعيد هذه المحاولات اليائسة في تلميع الخراب الداخلي إلى الأذهان مآسي أرواح عبقرية سابقة سحقتها رحى العزلة، تماماً كما حدث في أواخر شهر يوليو 1890، حين أطلق الفنان الهولندي فينسنت فان جوخ رصاصة على صدره المنهك وسط حقول القمح الصفراء، لينهي حياة مليئة باضطرابات نفسية عميقة وحرمان عاطفي قاهر. فكما رسم فان جوخ ألمه المعتم بالألوان المضيئة، كان جاكسون يرقص بوزنه الذي لم يتجاوز 55 كيلوغراماً، ليوقف نزيفاً داخلياً حاداً لا يندمل، محولاً خشبة المسرح إلى مشرحة فاخرة يخدر فيها أوجاعه على مرأى من العالم الذي يطالبه دائماً بالمزيد من القفزات البهلوانية.

تتجلى في هذا السياق الكوميديا السوداء للوجود الإنساني، حين تتحول الشهرة الطاغية إلى مقصلة مذهبة، يراقب منها العالم انهيار الإنسان بمتعة خفية وتصفيق حار يدوي في الأرجاء. يصف الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه هذه الحالة التراجيدية ببراعة نادرة حين يقول: "يجب أن يكون فيك فوضى لتلد نجماً راقصاً". لقد كانت حياة ذلك الفنان فوضى عارمة منذ طفولته المسلوبة، مزقته قذائف الاضطرابات النفسية وعزلة موحشة داخل جدران مزرعته، وأرق مزمن لم يهدأ إلا بجرعة قاتلة من العقاقير المهدئة في شهر يونيو 2009. إن تجاهل المخرج لهذه التشوهات العميقة لصالح تقديم كائن آلي منحوت بابتسامة عريضة هو خيانة مسلية للحقيقة الفنية، وتعمية مقصودة عن الثمن الباهظ الذي تدفعه الأرواح المقهورة. يؤكد الخبير في علم نفس الجماهير جوستاف لوبون أن الجموع لا تعقل بل تتخيل، وهي تفضل الصنم الجميل على الإنسان المكسور، متناسية أن الندوب الغائرة هي التي تمنح الأشياء هويتها الحقيقية، والأسطورة المخلدة لا تكتب بالحبر الأبيض الممحو، بل بالدم النازف من أوردة المعاناة.

في خضم هذا التناقض الصارخ بين بريق المسرح المبهر وظلمة الروح الكئيبة، يتجسد الشقاء المكتوم الذي تغنى به الشاعر الإنجليزي جون كيتس في قصائده الخالدة، حين همس بوجع عميق قائلاً: "أنا نصف مغرم بالموت السهل، أسميه بأسماء رقيقة في العديد من القصائد". لقد كان النجم الاستثنائي يغازل فناءه الخاص مع كل خطوة يخطوها، وكلما اشتدت عزلة روحه وابتعد عن فطرته، ارتفع منسوب مسكنات الألم في دمه الهزيل. يمتد هذا العبث المستمر إلى مساحات أوسع في تفاعلاتنا البشرية والسياسية، حيث تستغل مآسي الأفراد والشعوب لخدمة أجندات تصنع إيقاعاً لاهثاً نحو الكمال الزائف. وكما قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل بتهكم لاذع: "الحقيقة لا يمكن دحضها، قد يهاجمها الخبث، وقد يسخر منها الجهل، لكنها في النهاية موجودة". والمخرج الذي يخفي عيوب بطله ليصنع منه إلهاً من ورق، إنما يمارس طقساً من طقوس الدجل الجماعي، موهماً السذج بأن العظمة تولد بلا مخاض، متناسياً أن الدول والحضارات الراسخة، لا تُبنى أمجادها بتجاهل الهزائم وتلميع الواجهات الهشة، بل بمواجهة الصدوع وتصليب الإرادة لمجابهة تقلبات الزمان بواقعية لا تعرف التزييف، بعيداً عن ألاعيب البروباغندا الرخيصة.

إننا نقف اليوم أمام مرآة عاكسة تفضح أزمتنا في تقديس القشور الخارجية ورفض الغوص في أعماق المأساة، مفضلين تصديق الخرافة الجميلة على تقبل الحقيقة الموجعة التي تخدش كبرياءنا الاستهلاكي. هل كان انزلاقه الساحر إلى الخلف محاولة يائسة لترويض الزمن المنسرب من بين أصابعه، أم هرباً من وحش مفترس ينتظره في الأمام المجهول؟ لم تكن تلك الخطوات الرشيقة تمرداً مجرداً على قوانين الفيزياء، بل كانت تذكرة سفر للفرار من حاضر يخنقه. وحين تتشابك خيوط الوهم بصلابة الحقيقة أمام ناظرينا، يبرز التساؤل الأعظم الذي يقرع جدران الصمت المطبق في أعماقنا: هل يصفق العالم للمبدعين لأنهم يمنحونه لحظات الفرح العابرة، أم لأنه يتغذى سراً على آلامهم المتراكمة لينجو من بؤسه الخانق؟ الإجابة تتجلى في أننا لا نصفق للراقص الماهر على حبل النجاة إعجاباً برشاقته وحسب، بل نبتهج سراً لأننا نقف بأمان تام على اليابسة، نشتري بدموعه وعذاباته صكوك غفران لوجودنا العادي والممل، ليصبح احتفالنا الصاخب بعبقريته مجرد مسرحية نتقاسم فيها دور الجلاد المتأنق الذي يبكي بصدق مصطنع على ضحيته، بعد أن يعتصر منها آخر قطرات الإبداع ليروي عطشه الأزلي للدهشة.

تعليقات