2015-02-24

بقعة العطر!




بعد أن أقلعت الطائرة، واستوت فوق غبار الرياض، بدا لفيصل أن رحلته هذه ستكون أهم ما سيفعله في حياته، وتذكر آخر ما رددته أمه حين قرَّبته إلى قلبها أمام باب المنزل، واضعة شيئاً في جيبه الأيمن: "فيصل.. كُن جميلاً دائماً، قلباً وقالباً، فالجميلون فقط هم الذين يُذكرون بالحُسنى حين يغيبون".

غشى عقل فيصل وهو مغمضاً عينيه، متردداً بين صور ذكريات حياته التي شعر أنه لن يفتقدها من حماسته لما هو مقبل عليه، انتبه لعلاقته بالجَمال، وتكريس أمه لهذه العلاقة منذ أن كان صغيراً، وتيقَّن من أنه لم يكن ليُدرك قوة هذه العلاقة إلا حين اختصرتها عليه أمه بكلماتها الأخيرة.

غفت عينُهُ دون مقاومة، ومال مستسلماً نحو النافذة. لم تمر دقيقة ونصف على هذا الاتساق حتى هز الطائرة مطب جوي، انسابت بعده رائحة جميلة داخل الطائرة، فتح عينيه على إثر ما حصل، وأخذ يتلفَّت! شعر أن الرائحة تغلغلت إلى روحه، انسابت كخيوط الشمس المتوهجة من بين غيوم أنهت لتوِّها مهمة غسل الأرض. وباضطراد، زاد فيصل من وتيرة شهيقه وزفيره، حتى لا تفُته تفاصيل الجَمال في ما أدركه بأنفه، ولم تدركه بقية حواسه!

وصلت الطائرة إلى الشارقة، حيث تم قبول فيصل في جامعتها الأمريكية، قام بسرعة، مُعتقداً أنه سيصبو إلى مصدر الرائحة الجميلة، نظر إلى الخلف حيث وقع نظره على مقاعد خالية في آخر الطائرة، فقد الأمل إلا من أحساس أخَّاذ لا يزال يتلذذ به بسبب هذه الرائحة.

ترجَّل فيصل إلى الممر ثم إلى سلَّم الطائرة، بدأ أولى خطواته في النزول نحو مستقبل جميل ينتظره..

وبقعة عطرية كبيرة تزيِّن جيبه الأيمن!

2014-11-17

لم يعد هناك مثير!


أينَ أنتِ؟
فقد حصل الكثير!
تغيَّرت الأحرفُ
الوقتُ والناس
الأبواب والحُرَّاس
لم يعُد هناك مثير


أين أنتِ؟
يا انشقاق القمر
يا سُكَّرة الدنيا
أيُّ حلوٍ بات مُر؟
يا اعتيادي.. يا سُهادي
يا ناراً دوني..
دون شرر


أين أنتِ؟
الليل دونكِ وحيد
فضَّل ذِكركِ.. حِلمكِ
آثر نجومكِ..
وسَكَن للعتيد
فضَّلكِ عليَّ
تغزونني بطيفٍ تليد


أين أنتِ؟
دنياي بعدكِ وُجُوم
حاولتُ أن أفِر
أن أحيد.. أن أستقر
رفضِّتِ أن أروم
استسلميني..
بكِ هنِّيني
يا قلباً شوَّاقاً رؤوم


أين أنتِ؟
بأي بقعةٍ صرتِ
بأي مآلٍ تعلَّقتِ
أعرفُ أنِفاً..
أنْ غبتِ ترفاً
وقلبكِ فيَّ طعنتِ
أياماً قضيتها دوني
أمللتِ؟ أأذعنتِ؟
إنَّكِ أنا.. تمثليني
حين عدتُ وعُدتِ

2014-10-02

القبيلة لم تعد معزولة!


هناك فرق بين الاهتمام والإغراق، وللأخير نتيجة عكسية تتمثل في فقدان التوازن بالحياة، فليس هناك مِن مُنصرفٍ (كلياً) لأمر ما، إلا وفشل في أمور أخرى!

فحين ينصرف الطبيب لأبحاثه، ويتعبد في محراب تخصصه، وينغلق داخل دائرة تُمَثِّلُ اختيارَهُ الوحيد الذي رأى نشوته فيه، هو بالضرورة، قد فقد توازنه في الحياة، فأهمل بيته رُبما، أو علاقاته، أو الاستمتاع بألوان الحياة وصُنوفِ مذاقها، أو قد ينسى أن يهتم لصحته على أقل تقدير، وهو طبيب! 

وكذا الحال في كلٍ منصرفٍ قانتٍ متعلق النظر، أمسى كخيل في مضمار السَّبق، تُحجب عنه رؤية ما حوله، حتى لا ينشغل إلا بما جُعِلَ له، فيؤمن بأن العبرة بالوصول إلى نقطة النهاية، والتفوق في الوصول إليها سريعاً، وأن وجوده - بحسب ما يؤمن به - متوقفٌ على هذا الهدف!

وحين نتفكر، ماذا لو انصرفت أمة ما لتنتطبع بفكرِ رجل واحد، أو رجلين أو ثلاثة، وعَصَمَت هذا الفكر حتى جعلته محل التقديس الذي يُحَرِّم أن تُناقَش مُخرجاتُهُ، فضلاً عن أن يُأخذ منه ويُرَد؛ لصَعُبَ على هذه الأمة أن تَتَجَدَّدَ لتُواكِب، وأن تُنافِسَ في مساعي جعل الحياة أفضل وأجمل، ولانغلقت على ذاتها كقبيلة معزولة، تسمع عن التقدم وتراه وقد ترغب به، ولكن فِكرها يَحجُر عليها أن تخرج عن فِكر جماجم مَن تقدسهم.

إن أفراد هذه الأمة، المتطرفة في إحاطة المنتسبين لمجتمعها بكل وسائل منع استخدام العقل، والمأخوذة بحظر إتاحة خيارات العيش الأخرى، والتي كانت قد حددت طريق الحياة مسبقاً لكل مولود؛ لن تتخلص مما هيَ عليه من تخلف مقيت، إلا إن كسَّرت القدسية عن رجالٍ غَلَت في رسم حياة أفرادها بحسب ما ورد إليها عنهم، خصوصاً وأنها لم تعد معزولة كما تعتقد، وجمع ليس بقليل من أفرادها بات على وعيٍ تام بكل ما يدور من تفاصيل في حضارات أمم أخرى معاصرة.

السعادة لدى كل حيٍّ غاية، تتعدد إليها الوسائل، بحسب الظروف والعقول؛ فالمستمتعين بوجودهم حقاً بيننا، هم الذين قاسموا الحياة أنفسهم، واقتسموا لأنفسهم من الحياة نصيبهم الملوَّن الكبير، فيتنقلون بين ألوانه بشغف متجرِّد، وتعددٍ مُشتَهى، واتزانٍ المرادُ منه أن يكون مطلقاً.