2014-10-02

القبيلة لم تعد معزولة!


هناك فرق بين الاهتمام والإغراق، وللأخير نتيجة عكسية تتمثل في فقدان التوازن بالحياة، فليس هناك مِن مُنصرفٍ (كلياً) لأمر ما، إلا وفشل في أمور أخرى!

فحين ينصرف الطبيب لأبحاثه، ويتعبد في محراب تخصصه، وينغلق داخل دائرة تُمَثِّلُ اختيارَهُ الوحيد الذي رأى نشوته فيه، هو بالضرورة، قد فقد توازنه في الحياة، فأهمل بيته رُبما، أو علاقاته، أو الاستمتاع بألوان الحياة وصُنوفِ مذاقها، أو قد ينسى أن يهتم لصحته على أقل تقدير، وهو طبيب! 

وكذا الحال في كلٍ منصرفٍ قانتٍ متعلق النظر، أمسى كخيل في مضمار السَّبق، تُحجب عنه رؤية ما حوله، حتى لا ينشغل إلا بما جُعِلَ له، فيؤمن بأن العبرة بالوصول إلى نقطة النهاية، والتفوق في الوصول إليها سريعاً، وأن وجوده - بحسب ما يؤمن به - متوقفٌ على هذا الهدف!

وحين نتفكر، ماذا لو انصرفت أمة ما لتنتطبع بفكرِ رجل واحد، أو رجلين أو ثلاثة، وعَصَمَت هذا الفكر حتى جعلته محل التقديس الذي يُحَرِّم أن تُناقَش مُخرجاتُهُ، فضلاً عن أن يُأخذ منه ويُرَد؛ لصَعُبَ على هذه الأمة أن تَتَجَدَّدَ لتُواكِب، وأن تُنافِسَ في مساعي جعل الحياة أفضل وأجمل، ولانغلقت على ذاتها كقبيلة معزولة، تسمع عن التقدم وتراه وقد ترغب به، ولكن فِكرها يَحجُر عليها أن تخرج عن فِكر جماجم مَن تقدسهم.

إن أفراد هذه الأمة، المتطرفة في إحاطة المنتسبين لمجتمعها بكل وسائل منع استخدام العقل، والمأخوذة بحظر إتاحة خيارات العيش الأخرى، والتي كانت قد حددت طريق الحياة مسبقاً لكل مولود؛ لن تتخلص مما هيَ عليه من تخلف مقيت، إلا إن كسَّرت القدسية عن رجالٍ غَلَت في رسم حياة أفرادها بحسب ما ورد إليها عنهم، خصوصاً وأنها لم تعد معزولة كما تعتقد، وجمع ليس بقليل من أفرادها بات على وعيٍ تام بكل ما يدور من تفاصيل في حضارات أمم أخرى معاصرة.

السعادة لدى كل حيٍّ غاية، تتعدد إليها الوسائل، بحسب الظروف والعقول؛ فالمستمتعين بوجودهم حقاً بيننا، هم الذين قاسموا الحياة أنفسهم، واقتسموا لأنفسهم من الحياة نصيبهم الملوَّن الكبير، فيتنقلون بين ألوانه بشغف متجرِّد، وتعددٍ مُشتَهى، واتزانٍ المرادُ منه أن يكون مطلقاً. 

2014-09-28

حق التفكير!


الناسُ تطرَب لما تريد أن تسمع! ليس في الغناء والموسيقى فحسب، بل في كل مناحي الحياة. تريد أن يُلامس ما يمر عليها مكاناً في لُبِّ قناعاتها، فتحفل به، وتنشره، وتحتفظ به وتحفظه وتردده وتستشهد به. إنها سمة بشرية سائدة جداً، تعمل على تعزيز ما تؤمن به النفس ويرتاح إليه العقل وتُختَصر به المسافة للهدف أياً كان!

ونحنُ هكذا مَع من نُحِب وما نُحِب، فالحُب قناعة بالاصطفاء، وممناعة  ضد الازدراء، وانسيابٌ سلس للنفس لأن ترتبط بفكرة تؤمن بها، سواءً كانت متمثلة في بشر أم من صنع البشر.

وهكذا الناس مع ما تُجِله وترتاح إليه، تجدها تُنصِتُ حين يتم الحديث عنه، وتنتبه لكل التفاصيل، ويروقها جداً أن وجدت ما يُمكِّن هذا الإجلال منها، فتنسجم معه انسجام الحرباء مع محيطها، فتخالِف فن الاختلاف ولا تبالي، وتستغبي أي رأي يُباين ما تؤمن به، إذ تعتقد أنه الحق الذي لا يُعلى عليه، فتظن أنه سيُؤخِّر وصولها لنشوة الارتباط بقناعاتها، فتفتك به، لو فكرياً.   

وهكذا الناس مع الأخبار من حولها، تُقبِل على ما يروقها وترغب بسماعه، وتؤصل لهذا بعلاقة وشيجة مع مصدر الخبر، فيُمسي عندها - أي المصدر - الأصدق والأوثق والأجدر بالمتابعة، وقد تنافح من أجل هذا المصدر، ولا يروقها مقارنته بغيره من المصادر، فتصبح له قدسية، ومكانة عمياء عَليَّة، وموقعاً هو الأول دائماً، والبقية يأتون - وقد لا يأتون - تِباعاً.

وهنا ينفضح دور الطبيعة، واختلاف البشر في الوصول إلى الطليعة، فللجميع حق خُلِق معهم في التفكير والاختيار؛ فيأتيك من يفضل النقل على العقل، ويُحاجَّك باقتباسات لأسماء هو اصطفاها، لأولين وآخرين، ولا يعلم أنكَ تعتبرها طعاماً قد لا تشتهيه، وإن جربته قد لا تستسيغه.

أقول هذا وقد تمكنت كُتُب التراث من معظم من حولي، حتى أجبرتهم على إهمال العقل تماماً، وكأنه وُضِع فينا لنردد لا لنتفكر، وكأننا مُحاسبون عن التصاقنا بغيرنا، وبما ذكروه.

العِبرة في التفكُّر، في إعادة رسم خارطة للعقل همُّها إعمال العقل وليس التقليد، الاختراع وليس الانصياع، التجرُّد وليس التسليم، في التلذذ بالخروج عن المألوف، والصدع بما يقوله العقل، فلكل مَن على الأرض بصمة، أجزِم أنها لا تتكرر.

2014-08-10

من أثمن.. أنا أم محفظة نقودي؟

مصدر الصورة


مَن أثمن؟ أنا أم محفظة نقودي؟ أنا أم حسابي في "تويتر"؟ أنا أم التراب الذي صُنعتُ منه، وسأدفَن فيه؟ حالياً.. وفي نظر أغلب الذين لا يعرفونني عن قرب، كل ما يخصني ثمين، إلا أنا!

أمريكا لم تحرك ساكناً حين فتك تنظيم "داعش" بالإنسانية في سوريا والعراق، ولكنها تحركت فوراً، وبكلمة رئاسية علنية، بعد استيلاء "داعش" على حقلي "عجيل" و"حمرين2" النفطيين العراقيين!

كل المصالح تدور حولي، تُحاك من أجل وجود شيء ما مُتعلِّق بي، وليس من أجلي، فأمريكا تبحث عن نفطي، و"تويتر" عن بياناتي، وقوقل عن مكاني، وشركات الاتصال عن دقائق اتصالي، كما أن المطعم يبحث عن جوعي، والطبيب عن مرضي،..!

وأنا، وفي نهاية كل مطاف، أبحث عن سعادتي! السعادة التي أشتريها بالمال! هل هناك سعادة - حالياً - لا تُشترى؟ أتحدى!

إذن هو المال، هو الحياة! فهو الذي يبقيك تضحك من قلبك كالمجنون، في أوج وحدتك، من خلال جهاز قيمته 3,000 ريال، واشتراك إنترنت ب50 ريالأً! وهو الذي يُعلِّمك ويشفيك ويغذيك ويؤمِّن حياتك وحياة من خلَّفوك، وهو الباقي مِنكَ لِمَن خلَّفت!

غازي القصيبي أكمل عبارة: "المال لا يشتري السعادة" بقوله: "ولكنه يظل يحاول"! فالذي اخترع عبارة "المال لا يشتري السعادة" لم يكن ثرياً، ولم يعرف يوماً ماء شرب ملوثاً، ولا غذاءً فاسداً ولا دَيْناً يحرمه من النوم! وقد رد عليه المرحوم! فالمال هو سبب النعيم والشقاء، كما أنه سببٌ لحياة الكثيرين، وموتهم أيضاً.

في رحلتي المزمنة إلى الإمارات أو حين أتسيَّح في أرجاء البسيطة أو حتى في وطني السعودية؛ النظرة لك تختلف، ونظرة الحياة لك تختلف، حين يتحدث مالُك عنك! فالمستأجر غير المالِك، والمانح غير المُقتِر، ورائد "ستار بكس" أهم عند الناس من مرتاد قهوة "أبو علي" في حي شعبي!

وتطل علينا "جميلة" لتعلنها بصوتها الجميل، والشُّياب يقفزون من حولها رقصاً، ونسوة يصرخن أنوثة، تتمايل قدودهن موافقة على الكلمات وهن جالسات، كل هذا صادقت عليه "وناسة" في أغنية "طيني ورور"! تقول بعض المقاطع:

سيدي يلبس باروكة
وأنا قرعة قرعة ليه

سيدي يركب روز رايز
وأنا هوندا هوندا ليه

سيدي يشرب ريد بول
وأنا كولا كولا ليه

فالباروكة والرولز رايز والريد بول سِمات راسخة في ذهن كاتب كلمات الأغنية عن أسلوب حياة الأشخاص الموسرين، والناس صادقت على هذا حين تراقصت وغنت وطلبت هذه الأغنية العظيمة! عظيمة لأنها لامست هماً واضحاً لعموم المجتمع وتغنت به.. ألم تكن أعمال "فكتور هوجو" و"مكسيم جوركي" و"شارلي شابلن" عن الطبقات الفقيرة عظيمة؟!

إنه المال! وجوده كعدم وجوده.. مُلفِتٌ وعظيم!