تجلى في هذا الوجود صراع صامت بين العين التي تكتفي بالدهشة وبين الروح التي لا تهدأ إلا بالقبض على المعنى، حيث يبرز الفرق الجوهري بين الإعجاب بوصفه وقوفاً ممتداً أمام أثر فاتن وبين الحب الذي يختصر المسافة بقرار خاطف يتبعه فعل الاستحواذ ليلاً. إن الإعجاب يظل حبيس الإطار، تقديراً بارداً يمارسه العابرون من وراء حواجز المسافة، أما الحب فهو تلك الحركة الجسورة التي لا تكتفي بالرؤية، بل تنسل في سكون الظلام لتستولي على موضوع شغفها، معتبرة أن الجمال الذي تتقاسمه الأبصار يفقد طهارته، وأن الوصال الحقيقي يتطلب عزلة تامة وحيازة مطلقة تتجاوز حدود المنطق والشرائع. هذا النزوع الاستحواذي ليس مجرد خلجة نفسية، بل هو المحرك الخفي لتروس السلوك البشري الذي يرى في "السرقة" أسمى درجات الاعتراف بقداسة المحبوب، حيث يتحول العالم من ساحة للتنافس إلى معرض كبير من الرغبات المحرمة التي تُقتنص تحت جنح الضرورات الوجودية.
تتجلى هذه السردية في الذاكرة البشرية حين يختلط الوله بالرغبة في الاحتكار، ففي مايو 1801، وتحديداً حين كانت شمس أثينا ترقب اضمحلال السيادة، لم يكن توماس بروس، المعروف بلقب اللورد إلجين، مجرد جامع للآثار، بل كان رجلاً مسكوناً بحب استلابي رفض أن يشارك التاريخ في رؤية مرمر البارثينون، فشرع في انتزاع تلك المنحوتات من فوق هامة الأكروبوليس ونقلها إلى بريطانيا. لقد كانت تلك الفعلة، التي توصف في أدبيات الحقوق بالنهب، تمثل في وجدان السارق فعلاً بطولياً لإنقاذ الجمال من النسيان، مما يبرهن على أن الانبهار الحقيقي لا يكتمل إلا بالقبض على موضوعه وإخفائه خلف جدران الحماية الخاصة. إن هذا السلوك يجسد ما ذهب إليه الفيلسوف فريدريك نيتشه حين قال: "إن ما يفعله الإنسان بدافع الحب يقع دائماً خارج حدود الخير والشر"، وهي عبارة تشرح لماذا تبيح الروح لنفسها خرق النواميس من أجل القبض على سر الوجود، وتحويل المشاع إلى ملكية سرية تُحرس بالعشق والحديد.
وفي أروقة المال، يتحول هذا المفهوم إلى لغة أرقام صلبة تتبع ذات المسار النفسي، ففي يوليو 1944، وفي قلب غابات نيوهامبشير حيث انعقد مؤتمر بريتون وودز، كان العقل البشري الطامح يدرك أن الاستقرار العالمي لا يُبنى بالإعجاب ببريق الذهب، بل بانتزاع هذا المركز لصالح نظام يضع اليد على مفاصل الحركة المالية. لقد كان ذلك التحول بمثابة إعادة تعريف للحب المادي، حيث لم يعد الجمال يكمن في وفرة الموارد، بل في القدرة على احتكارها وتوجيه مساراتها، فالقيمة الحقيقية للشيء لا تُقاس بزمن العرض، بل بزمن الرغبة في الاقتناء الحصري. يرى الخبير الاقتصادي جوزيف ستيجليتز أن "الأسواق تميل بطبعها نحو خلق احتكارات تقتل روح المشاركة لأن المالك يرى في وجود الشركاء تهديداً لخصوصية امتلاكه"، وهو قول يتقاطع مع نزعة الإنسان لتمزيق الخرائط وإعادة صياغتها بما يخدم شغفه الخاص.
ولم يكن قدر الشعوب إلا أن تكون هي اللوحة التي يتنازعها المحبون المستبدون، ففي نوفمبر 1884، اجتمع رجال في برلين، لا لتبادل عبارات الثناء على تنوع القارة الأفريقية، بل لتنظيم عملية الاستحواذ الكبرى التي حولت الجغرافيا إلى مقتنيات خاصة داخل خزائن الدول. لقد كانت دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا تمارس فعلاً يشبه ذلك التسلل الليلي لسرقة ما عجزت عن امتلاكه بالاعتراف المجرد، فقسموا الأرض بمسطرة المصالح وانتزعوا السيادة لضمان بقاء الجمال المادي تحت الوصاية الخاصة. إن هذا "الاختطاف الجغرافي" يبرهن على أن الحب في عرف الطامحين هو إلغاء للندية، وتحويل الفضاء المفتوح إلى غرف مغلقة تُحرس بالإرادة المنفردة، فما دام الجمال عرضة للمشاركة، فإنه يظل في نظر المحب المستولي جمالاً مستباحاً يحتاج إلى سياج يحميه من عيون الآخرين.
إن الأدب العالمي يخلد هذا الصراع الأزلي بين الرؤية واللمس، بين التقدير والامتلاك، ويبرز هنا وليام شكسبير في سونيتاته ليصيغ هذا الثبات الذي يرفض المحو ببيان بليغ:
"الحب ليس حباً إن هزه التغيير،
أو مالَ حيث يميل الطامس ليمحوه،
إنه منارة ثابتة تحدق في العواصف ولا تهتز".
هذا الثبات هو الذي يدفع "اللص المحب" لتجاوز مرحلة التأمل الطويل، فما دام الجمال زائلاً أو عرضة للتحول، فإن اختطافه يصبح ضرورة أخلاقية في مذهب العشق، فالحب في جوهره ثورة على "النظام العام" وتحدٍ لفكرة أن الجمال ملك للجميع. إن التاريخ لا يكتبه أولئك الذين وقفوا يراقبون ملامح الحسن من بعيد، بل يكتبه الذين تسللوا في عتمة الظروف ليغيروا مسار الأحداث لصالح شغفهم، محولين الجريمة إلى تضحية، والسرقة إلى وفاء مطلق لمحبوب لا يراه سواهم. إن هذا الاندفاع نحو التملك هو الذي يفسر لماذا نضع الأسوار حول الحدائق الجميلة، ولماذا نشفر البيانات الحساسة، ولماذا نغلق أبواب القلوب؛ فالمشاعية هي مقبرة التميز، والسرية هي رداء العظمة الذي يرتديه كل من آمن بأن الجمال أقدس من أن يُترك لفضول العابرين.
هل ينتمي الجمال إلى العيون التي تراه خلف الزجاج أم إلى الأيدي التي تكسر القيد لتأخذه معها إلى المنفى؟ إن الجمال كائن خجول لا يمنح سره إلا لمن يجرؤ على اختطافه من منصة العرض، لأن اللوحة التي يراها الجميع تصبح باهتة بفعل التحديق الجماعي، بينما تصبح في غرفة السارق المظلمة هي الشمس الوحيدة التي تستحق أن تكون موجودة.

تعليقات
إرسال تعليق