ما لم نزرعه

بدأ مساء أتلانتا في الدقيقة العاشرة، حين انحنى حارسنا ليلتقط الكرة من شِباكه أول مرة. ثم انحنى ثلاثاً بعدها، حتى اكتملت رباعية إسبانية نظيفة. وفي بيت بالرياض تخفت أنواره رويداً، يبحث طفل في وجوه الكبار عمَّا يدلُّه: أأغضب الآن، أم أنتظر؟ والذاكرة، وهي تتلقى الضربة، تستعيد ليلة سابورو في صيف 2002، حين انهمرت علينا ثمانية أهداف ألمانية صَنعت أثقلَ جُرح عربي في تاريخ المونديال. النتيجة تتبدل، واللَّحن واحد.

وفي قلب الضجيج سؤال نادراً ما نطرحه على أنفسنا: لماذا نغضب؟ نحن نشتري نهاية الحكاية ونغفل عن فصولها كلها. الكأس التي نشتهيها ليست سوى القمة المرئية من جبل غاطس في الماء، جبل من فجر بارد، ومن عَرَق صِبْية لم يبلغوا العاشرة، ومن مَشاتل تبني اللاعب على مهل، حجراً فوق حجر، وعَقْداً فوق عَقْد.

وذلك الفتى - لامين يامال - الذي افتتح علينا التسجيل الليلة نَبَتَ في مَشتَل برشلونة قبل أن يحسن تهجئة اسمه، عاش داخل الكرة، ونام عليها، وكَبِرَ في حضنها، حتى صار من أصغر من سجلوا في تاريخ المونديال، يمحو رقماً كان لميسي. أما نحن فنريد المعجزة جاهزةً، مغلفةً، مدفوعةً سلفاً. والمال وحده، مهما تضخم، لا يصنع المعجزة. هو ماء غزير فوق أرض بلا بذور.

كتب شاعر إنجليزي ذات يوم سطوراً تُعلِّقها المدارس على جدرانها: "إذا لَقِيتَ النصر والكارثة، فعامِلْ هذين المخادعين على السواء". النصر مخادع يصعد إلى الرأس فيُسكِره، والهزيمة مخادعة تهبط إلى القلب فتُذِلُّه. كلاهما عابر. وكلاهما ليس نحن.

فما الذي نبكيه حقاً حين تنهار النتيجة؟ الرقم على الشاشة، أم الاعتراف الموجع بأننا اشتهينا القمة وأبَيْنا أن نتسلقها؟

قبل أعوام، وقبيل سفر منتخبنا إلى الدوحة، أوصى ولي العهد السعودي - حفظه الله - لاعبيه بكلمة أكبر من اللعبة كلها: "استمتعوا". لم تكن نصيحةً رياضيةً، بل حكمةً في هيئة جملة: أن اللعبة، كالعمر، نعيشها لا نتعايش معها، ونحبها لا نحاكمها بحصاد آخرها. ومن أدرك هذا، لا تهزمه نتيجة أبداً، وإن انحنى حارسه عشر مرات.

تعليقات