الرجل الذي وثق بالليمون


في 6 يناير 1995، عصر رجل اسمه ماك آرثر ويلر ليمونة على وجهه في مدينة بيتسبرغ الأمريكية، ثمّ خرج ليسرق مصرفين في وضح النهار. لم يلبس قناعاً، ولم يخفض رأسه، بل ابتسم لكاميرا المراقبة وهو يخرج بالمال. كان مطمئنّاً تماماً. فقد سمع أنّ عصير الليمون يُستخدم حبراً سرّيّاً لا يظهر على الورق، فاستنتج أنّه لن يظهر على وجهه أيضاً. وحين أمسكت به الشرطة وعرضت عليه الشريط ووجهه واضح فيه، لم يكذب ولم ينكر. قال بحيرة صادقة: "لكنّني وضعت العصير".

هذه ليست نكتة، رغم أنّ العالم كلّه ضحك عليها. الرجل لم يكن يكذب. كان يصدّق نفسه من كلّ قلبه، وهذا بالضبط ما يخيف في الغباء: أنّه لا يوجع صاحبه. الكاذب يعرف أنّه يكذب، وفي داخله شيء صغير يقلق. أمّا الغبيّ فمرتاح. مرتاح جدّاً.

يقولون إنّ الغباء يُولد مع الإنسان كما يُولد الأنف الكبير، وإنّ على الغبيّ أن يعرف ذلك ويتقبّله كما يتقبّل صاحب الأنف أنفه. فكرة تبدو منطقيّة، لولا فرق واحد بسيط: صاحب الأنف الكبير يراه في المرآة كلّ صباح. أمّا الغبيّ فلا يرى غباءه أبداً، لأنّ الشيء الذي يحتاجه ليراه هو نفسه الشيء الناقص عنده. رجل الليمون وقف أمام المرآة وهو يمسح وجهه بالعصير، ورأى وجهه كاملاً، ولم يرَ الشيء الوحيد الذي كان عليه أن يراه. فكيف نطلب من إنسان أن يعترف بشيء لا تراه عينه؟ ومن استطاع أن يقول عن نفسه بصدق: نعم، أنا غبيّ، فقد خرج من الغباء لحظة قالها.

وهنا أتذكّر ولداً كان يجلس في آخر الصفّ حين كنّا في الابتدائيّة بالمدينة المنورة. كان يفهم في السيارات أكثر منّا جميعاً، ويأتي إلى المدرسة بسيارات الألعاب الصغيرة وقد غيّر في شكلها وملامحها بيديه، حتّى تصير سيارات لا يملك مثلها أحد غيره. لكنّه كان بطيئاً في الدروس، وكان ذلك كافياً أمام المعلمين بأن يُصنِّفوه غبياً. لا أذكر وجهه جيّداً، أذكر صمته. وأذكر أنّني كنت أريد أن أقول للمعلّمين إنّهم مخطئين، ولم أجد الكلمات. كنّا صغاراً، والصغار لا يملكون كلمات أمام الكبار.

الذي يؤلمني اليوم أنّ الولد صدّقهم. أخذ الكلمة وسكن فيها. صار يعتذر قبل أن يقول رأيه، ويسكت قبل أن يسأل، ويترك الإجابة لمن حوله لأنّهم أذكى. لم يكن غبيّاً حين دخل الصفّ، صار كذلك بعد أن أقنعوه. وهنا خطر الفكرة التي تقول للغبيّ: اعرف حجمك واجلس. من يقتنع بها يتوقّف عن المحاولة، والتوقّف عن المحاولة هو الغباء الحقيقيّ، لا بطء الفهم. البطيء يصل متأخّراً، لكنّه يصل. أمّا الذي أقنعوه أنّه لن يصل فلا يمشي أصلاً.

لهذا صار عندي مقياس واحد بسيط: الذكيّ يتألّم قليلاً حين يكتشف أنّه مخطئ، ثمّ يشكر من صحّحه. والغبيّ لا يتألّم؛ يشرح للجميع لماذا هو على حقّ، ويبتسم للكاميرا.

ما زلت أفكّر في رجل الليمون. كلّما تذكّرته سألت نفسي: ما الليمون الذي أضعه أنا على وجهي كلّ صباح وأنا واثق أنّه يخفيني؟ لا أعرف. لكنّ السؤال نفسه يوجعني قليلاً، وهذا الوجع الصغير هو كلّ ما أملك من دليل على أنّني ما زلت بخير.

تعليقات