في غرفةٍ تفوح برائحة الفازلين والثلج، تنحني امرأةٌ على وعاءٍ من الماء البارد وتغمر وجهها فيه للمرة الخامسة عشرة منذ الصباح. لا أحد يعرف أنّ خلف هذا الطقس اليومي طفلةً وُلدت في الأول من يونيو 1926 بمستشفى لوس أنجليس العام، حملت اسم نورما جين، وتنقّلت بين دُور الأيتام وأحضان الغرباء، وفي حنجرتها تأتأةٌ لم تفارقها. اليوم، بعد 100 سنة على تلك الولادة، نوقد 100 شمعة لامرأةٍ عرفها العالم باسمٍ آخر: مارلين مونرو.
نحو عام 1946، حين بلغت العشرين، طُويت صفحة نورما لتُفتح صفحة مارلين. علّمها معالج النُطق أن تخفض صوتها وأن تقطّع كلامها، حيلةً تواري بها العثرة. فحسبَ الناس الحيلة طبيعةً، وحسبوا الدفاع إغواءً. الصوت الذي أذاب قلوب الملايين لم يكن في أصله سوى جُرحٍ تعلّم كيف يتكلّم.
بين عامَي 1949 و1950، خضعت لجراحتَين صغيرتَين نحتتا أنفها وفكّها للكاميرا. ولعلّها قرأت عند ريلكه، وكان من كتّابها الأثيرين، أنّ الجمال ليس سوى بداية الرعب؛ فأدركت أنّ ما يبهر العين قد يكون أوّل ما يكسر صاحبه.
عام 1953، وفي فيلم "الرجال يفضّلون الشقراوات" الذي صار أيقونة القرن، لم تتقاضَ سوى 500 دولار أسبوعياً، بينما أراد لها الاستوديو وجهاً صامتاً. فردّت بأن ملأت بيتها بـ400 كتاب، جلس على رفوفها دوستويفسكي وجويس وتولستوي، ثم أسّست عام 1955 شركة الإنتاج الخاصة بها لتصنع لنفسها صوتاً.
حين كانت تشتهي أن تختفي، كانت تصير "زيلدا زونك"؛ شعرٌ مستعار داكن، ونظّارة، ومنديل على الرأس، وامرأة تعبر الشارع دون أن يلتفت إليها أحد. قال نيتشه إنّ كل ما هو عميق يحبّ القناع. وربما كانت أعمقهم، لأنها صنعت قناعَين: واحداً تختبئ خلفه عن العالم، وآخر يختبئ العالم خلفه عنها.
مساء 19 مايو 1962، خاطوا الفستان على جسدها مباشرةً لأنه ضاق عن أي زرّ، فغنّت للرئيس جون كينيدي "سنة حلوة سيدي الرئيس". لم يكن ثوباً يُرتدى، بل جلداً ثانياً صُمّم ليُرى ولا يُلمس. وفي الخامس من أغسطس من العام ذاته، حُملت من بيتها على نقّالة، حيّةً بشهادة من رفعوها، لتفارق الحياة في الطريق عن 36 عاماً قبل أن يُعيدوها.
فهل عرف العالم مارلين، أم عرف صوتاً صاغه خوفُها وثوباً خِيط على وحدتها؟
ربما لم نُحبّ المرأة قطّ، بل أحببنا المرآة التي رأينا فيها أجمل ما فينا وأشدّه هشاشة. ومئة شمعةٍ بعد ميلادها، ما زال الضوء الذي خلّفته يكفي لنرى أننا لم نرَ نورما جين بعد.

تعليقات
إرسال تعليق