مثل ماذا؟


كان اسمه صالح، وهذا اسمٌ لا يليق بشاعر. لكنّه كان شاعراً رغم أنفه، ورغم أنف اسمه.


وكانت ريم لا تحبّ الشعر، أو هكذا قالت في أوّل مكالمةٍ بعد الخطبة، حين قال لها إنّه يحبّها، فردّت ببرودٍ لا يليق بمخطوبة: "مثل ماذا"؟


قال: "كيف مثل ماذا"؟


قالت: "كلّ الرجال يقولون أحبّك. أريد أن أعرف مثل ماذا. وإيّاك والقمر، وإيّاك والورد؛ القمر والورد لهما أصحابهما".


أغلق صالح الهاتف وسهر الليل كلّه يبحث عن شبيهٍ لحبّه لا يكون قمراً ولا وردة. وفي الفجر سمع الأذان، ورأى من النافذة جاره العجوز يمشي إلى المسجد قبل أن يناديه أحد. فكتب:


فهمتُ الآن لماذا يقوم العجوزُ قبل الأذان:  

ليس لأنّ أحداً أيقظه،  

بل لأنّ من يحبّ لا ينام.  

وأنا، منذ رأيتكِ،  

لم أنم.


قرأها لها في الصباح. سكتت قليلاً، ثمّ قالت: "مقبول". وتزوّجا بعد شهرين.


في السنة الأولى سافر شهراً في عمل. وحين هبطت الطائرة رأى الرجل الذي بجانبه يبكي ويلمس أرض المطار بيده. فكتب لها:


عرفتُ اليوم لماذا يبكي الغريبُ  

حين تلمس يدُه أوّلَ ترابٍ من بلاده.  

لستِ بلادي،  

بلادي أوسع منكِ بكثير،  

لكنّني حين هبطتُ  

لم ألمس الأرض،  

لمستُ اسمكِ على الشاشة.


قالت: "هذه أحسن من الأولى". ثمّ أضافت، حتّى لا يغترّ: "قليلاً".


في السنة الثالثة تشاجرا شجاراً كبيراً، لا يذكر أحدٌ منهما سببه اليوم، لكنّهما يذكران أنّه كان مهمّاً جدّاً. حاول أن يصالحها بالكلام فقالت: "لا تكذب عليّ بالكلام الحلو. قل الحقيقة". فقال:


الفيلسوف يحبّ الحقيقة  

حتّى حين تصفعه.  

وأنا أحبّكِ حين تكونين على حقّ،  

وأحبّكِ أكثر  

حين أكون أنا على حقّ  

وأسكت.


ضحكت. وكان الشجار الوحيد في تاريخهما الذي انتهى بضحكة، ولهذا يذكرانه.


في السنة العاشرة صار صالح مديراً، وصار يعود متأخّراً ويضع الهاتف على مائدة العشاء. سحبت ريم الهاتف من يده ذات ليلة وقالت: "تحبّ منصبك مثل ماذا"؟ وفهم أنّ السؤال ليس عن المنصب. فكتب:


الطامحون يحبّون الكراسي  

لأنّها المكان الوحيد  

الذي لا يجلس فيه غيرهم.  

وأنا لا أريد كرسيّاً،  

أريد المقعد الذي بجانبكِ في السيّارة،  

ولا أريد أن يجلس فيه أحد،  

ولا حتّى ظلّي.


ولم يترك المنصب، لكنّه تعلّم أن يترك الهاتف في الغرفة الأخرى، وهذا عند ريم أعظم من ترك المنصب.


في السنة العشرين وقفت أمام المرآة وفي يدها أوّل شعرةٍ بيضاء نبتت في رأسها، وقالت من غير أن تلتفت: "والآن، مثل ماذا"؟ فقال:


الفلكيّ يسهر عشرين سنة  

من أجل نجمةٍ لم يرها أحد.  

وأنا أسهر منذ عشرين سنة  

على وجهٍ رآه الجميع  

ولم يكتشفه أحدٌ غيري.  

كلّ صباحٍ أجد فيكِ نجمةً جديدة،  

والليلة وجدتُ أوّلها بيضاء.


في السنة الخمسين كانا على الشرفة نفسها، بالفنجانين نفسيهما، وكان العمر لم يعد يتّسع لأسئلة كثيرة. قالت: "مثل ماذا"؟ فأخذ نفَساً طويلاً، كأنّه يجمع خمسين سنة في صدره، وقال:


لم يبقَ عندي "مثل"،  

ولا "كأنّ"،  

ولا "كما".  

خمسون سنة وأنا أبحث لكِ عن شبيه،  

واليوم فقط انتبهتُ:  

العجوز الذي يقوم قبل الأذان،  

والغريب الذي يلمس الأرض،  

والفيلسوف، وصاحب الكرسيّ، والفلكيّ،  

كلّهم كانوا يشبهونكِ،  

وأنتِ لم تكوني تشبهين أحداً.


سكتت ريم طويلاً. ثمّ قالت: "كنتُ أنتظر هذا الجواب منذ أوّل مكالمة".


"كنتِ تنتظرين أن أعجز"؟


"كنتُ أنتظر أن تصل. من يجد لحبّه شبيهاً لم يحبّ بعد".


ولم تسأله بعد ذلك اليوم.


وأمّا صالح، الذي لا يليق اسمه بشاعر، فقد صار شاعراً في تلك اللحظة. أمّا الخمسون سنة قبلها، فكانت تدريباً.

تعليقات