في الخليج، قبل أن تصحو المدن، يربط صياد قاربه إلى وتد قديم. رائحة الملح. رائحة القهوة. وبحر لا يعرف شيئاً عن السياسة. لا يهمه أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وقف أمس، 2 يونيو 2026، أمام الكونغرس ليعرض موازنة وزارته، في أول شهادة علنية له منذ أن بدأت الحرب على إيران في 28 فبراير. الصياد يعرف شيئاً واحداً: أن هذا البحر أكبر من كل الحروب.
ولهذا الرجل حكاية تشبه أميركا. ففي عام 1979، يوم قامت ثورة إيران، كان طفلاً كوبياً في لاس فيغاس، ابن نادل في كازينو. صار مورمونياً وهو في الثامنة، يغني مع أولاد عمه أغاني فرقة "أوزموند"، ويعاتب أباه لأنه يبيع الخمر. هذا الطفل صار اليوم رابع رجل في أميركا، يتكلم عن حرب قرب مضيق هرمز.
وفي حكايته شيء يتكرر: المسافة بين ما يقال وما حدث. عائلته خرجت من كوبا عام 1956 بحثاً عن لقمة العيش، قبل كاسترو بثلاث سنوات، لكنه رواها كأنها هربت من ظلمه، حتى كشفت الأوراق ما جرى. وهو الذي قال عن ترمب إنه "محتال" و"صغير اليدين"، صار أقرب الناس إليه. والمراهق الذي رجع من مدرسته في ديسمبر 1987 فوجد البيت خائفاً بعد مداهمة بيت صهره تاجر الكوكايين، كتب عام 2002 رسالة تشفع لذلك الصهر، دون أن يقول من يكون. وربما هكذا تكتب الأمم سيرتها: قصة جميلة فوق حقيقة أقل جمالاً.
الإدارة التي وعدت بأن تبتعد عن "الحروب التي لا تنتهي" هي التي أشعلت واحدة. عن هذا كتب الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس عام 1904، عن مدينة تنتظر عدواً لا يجيء:
"والآن، ماذا سيحل بنا دون البرابرة؟
لقد كان هؤلاء القوم حلاً من نوع ما".
والضفة الأخرى شربت من النبع نفسه. فمنذ 1979، راهنت إيران على الخوف لا على المحبة: ميليشيات تزرعها عند جيرانها، ويد تهدد بإغلاق مضيق هرمز وخنق رزق الناس. لكن الخوف بيت من رمل. واليوم يعترف خصمها أن ردعها تهالك، وأن نظامها متعب لا يرد إلا بعد أيام. من يبني قوته على رعب الآخرين، ينتظر الموجة الأولى.
قال المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس قبل آلاف السنين: "الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحملون ما لا بد منه". لكن الخليج يكتب جملةً أحلى: القوة أن تبني، لا أن تخيف. وبينما تتبادل الدولتان الضرب، تمضي السعودية وجاراتها في نهضة تحب الإنسان، وتختار الازدهار لا الحصار.
تتنفس المنطقة من جديد. لا لأن النار انطفأت، بل لأنها عرفت أن حب الناس لمن يقودهم نحو الفجر أقوى من كل قذيفة. ويبقى سؤال صغير فوق الماء: ما الذي يبقى من الأمم؟ ما هدمته، أم ما زرعته في قلوب من سيأتون؟ البحر وحده يعرف. فهو لم يحفظ أسماء من أرادوا إغلاقه، بل أسماء من علموه أن يبقى مفتوحاً.





تعليقات
إرسال تعليق