2010-06-08

ولكننا لا نتظاهر!


المظاهرات والاحتجاجات والمسيرات والاعتصامات، كلها مُصطلحات تُطلق على ردود أفعال العامة تجاه قرار أو فِعل يتعلق بجهة ما، وذلك للتعبير عن الاحتجاج أو التنفيس عن غضب أو هي محاولة لتغيير الحال عبر الدعوة لتنفيذِ مطالبٍ ما.

فالمظاهرة وسيلة من وسائل التعبير، كما الشعر والغناء والرسم، كلها وسائل تعبير عن الذات ومكنوناتها وأحياناً أسرارها، إلا أن المظاهرة هي تعبير مُشترك، إتحادٌ جمعته رؤية ومطالب تحيلك غالباً إلى الإمعان في سبب المظاهرة، وتحجيمه بالشكل الذي يتناسب وأعداد المتظاهرين وأساليبهم في التعبير.

ولأننا سعوديون، فطبيعي جداً أننا لم نشارك في مظاهرة في حياتنا، والسبب معلوم، إلا أنَّ معظمنا لم يتشجع – أيضاً – للتظاهُر! فنحنُ لسنا مقتنعين بهذه الوسيلة من وسائل التعبير، لضعف تأثيرها في تحقيق المآرب. ناهيك عن الفعالية التي يندُر أن تتحقق. ولكننا على أي حال نمارس التظاهُر – حسب التساهيل - على طرقنا الخاصة!

ولأنها (طرقنا الخاصة) فأنا لن أعلن عنها هنا بالتأكيد، حتى لا تُسلب مِنَّا أو تُقلب علينا. ولا تنتظروا أن أفضح سِرَّها القدِّيس، ومكنونها النفيس، أو أن أخبر بأي تلميح أو تفصيل. فمظاهراتنا لا تُقدر بثمن، ولا بمليارات أمانة جدة، ومظاهراتنا تصل بنا لأهدافنا – تلقائياً – ونشعر بالراحة، قبل أن تصل إليها يدٌ أخرى لا تُقطع!

-----------

مع أن السُّكر ذاب، نحنُ لا نُقلِّب الشاي بحُرقة!
كم نحنُ سِلميون!

وبعضنا لا يتجاوز كل الحدود في بعض الأحايين، ويرمي بمنديل من نافذة سيارته! لا! لا! أنا، أنا في كل مَرَّة أحب التوقف لمطب في شارع متفرع من شارع متغصِّن من شارع يؤدِّي لمخطط فارغ، والمطب هنا لا محل له من الإعراب، ولكني لا أسير عليه كما يسير المُحرِّر على مقالات كُتابٍ يُحب أسماءهم فيجيزها في ثانية ونصف.

نحنُ شعبٌ يحب النظام، ويحب الاصطفاف مهما طال، ويحب المواقف الطولية والعرضية والزاوييَّة، ويعجز منقاداً ماثلاً أمام لوحات (ممنوع السباحة، الماء مُكهرب)، (مواقف للمعاقين)، (أغلق جوالك للصلاة). الواسطة هي الفساد الذي لا نطيقه ولا نعرفه، ولا نريد أن يقفز بنا من فوق أي حاجز، ويضع لمن بعدنا مائة حاجز. شبابنا عذبه برميه في مول للعائلات ولا تطلب منه التفحيط في الأحياء، وترك المضامير والصحراء. وبناتا لا يُسجنَّ ولا يُجلدن إذا هربن من معاقل أولياء أمورهن التعذيبية، وتطال أولياء أمورهن كل الطوائل، ويُحاكموا قبل عشرات جلسات المناصحة والمفاحصة إن هربت كاعبة من تحت أكنافهم الناعمة. فوضى المرور من سببها؟ البطالة؟ الزئبق الأحمر؟ غسَّالي الشوارع من الأوغنديين والكينيين؟ صناديق البريد المُهشمة؟ لا! لا! لا تتجرَّأ وتشر علينا! نحنُ لسنا سبب كل فوضى، ولا أي فوضى، ولا جميع الفوضى.

-----------

ولكننا لا نتظاهر. المظاهرات شكل من أشكال الفوضى والاعتراض على الأحكام الربَّانية. نحنُ طبيعيون جداً لدرجة أننا نتفاعل مع كل يحدث وتُحدِثه الظروف دون تجمُّعات أو شبكات أو تحزُّبات، ونُعبِّر كأفرادٍ عن ردود أفعالنا كيفما نشاء، ولكننا – بالتأكيد - لا نتظاهر.

هناك تعليقان (2):

  1. الفوضى جزء من الطبيعة البشرية.. هكذا خلقنا الله. انظر إلى مدن الصفيح في المكسيك.. سكان الأرصفة في الهند. عصابات نيويورك.
    ليش زعلان..
    أعتقد أن المظاهرات من إفرازات العيش في المدن الكبيرة. نحن لم نخرج من حياة القرية والبادية إلا قبل يومين..

    مقالك قوي.. استمتعت بالقراءة

    ردحذف
  2. أتفق معك أخي العزيز في أن الفوضى طبيعة بشرية، ولكني ناشدُّت بجعلنا نعيش بكرامة وحرية تخول لنا - على الأقل - أن نُعبِّر عن استيائنا من بعض الأوضاع في البلد، للفت انتباه أبونا أبو متعب... لا أكثر :)

    ردحذف