كان الطفل يسأل: لماذا تسقط الأوراق؟
لم يقل الأب: "دورة حياة الكائنات الورقية وآليات التكيف البيولوجي في فصل الخريف". قال: "لأن الشجرة تحتاج أن ترتاح".
وانتهت الفلسفة.
ثمة وهم راسخ في وعي المثقف، يقول إن العمق يسكن في الكثافة، وأن الفكرة إن لم تتعب القارئ فهي لم تكن فكرةً حقيقية. وهو وهم مشرّف في جذوره، لأنه ابن المجهود الفكري الصادق، لكنه يتحول مع الزمن إلى سجن أنيق يحبس صاحبه خلف قضبان من المصطلحات.
الحقيقة أن التعقيد أسهل. يمكن لأي أحد أن يكتب جملة طويلة. الصعب، الصعب حقاً، هو أن تحمل نهراً كاملاً في كوب.
"الصمت هو أعلى الموسيقى"، قالها أحد عازفي الجاز الكبار يوماً، وكان يقصد تلك الهوّة بين نوتة ونوتة، حيث تتنفس الأذن ما لم تستطع النوتة قوله. الكتابة كذلك. الجملة التي تنتهي قبل اكتمالها الظاهري تكتمل في روح القارئ، وتلك اللحظة، لحظة الاكتمال في الداخل، هي المعنى.
آرثر رامبو كتب في "فصل في الجحيم": "حوّلت الصمت والليل إلى كلمات. ما كان لا يُقال، كتبته." لم يشرح كيف. لم يعلل لماذا. وضع الفعل أمامك عارياً وانسحب كأنه لم يكن هنا.
البساطة ليست تخلياً عن العمق، بل هي أشد أشكاله إتقاناً. لأن الكلمة البسيطة تمر من كل الأبواب، تدخل الطفل والشيخ والحكيم والبسيط، ثم تأخذ من كل واحد منهم طبقة مختلفة من الفهم، كالضوء الأبيض يدخل الزجاج المنشوري فينكسر إلى ألوانه الخفية.
أما الكلمة المعقدة، فتقف أمام الباب تطرق، وتنتظر من هو مؤهل لفتحه.
الانحياز الفني الحقيقي إذن، ليس امتلاك الفكرة العميقة، بل تلك الشجاعة النادرة على تعريتها من كل ما ليس هي، حتى تقف أمامك خفيفة وكاملة كما ولدت، دون أن تخجل من بساطتها.
فهل البساطة هي النضج الذي يصل إليه العمق حين يتوقف عن إثبات نفسه؟
ربما. أو ربما هي اللحظة التي يدرك فيها الإنسان، أخيراً، أن الحقيقة لم تكن تحتاج أن تُزيّن.

تعليقات
إرسال تعليق