في طفولتنا جميعاً لحظة نكتشف فيها أن الماء لا يملك؛ تقبض عليه الكف، فيلمع وميضاً عابراً، ثم يفر من بين الأصابع. قبل خمسة وعشرين قرناً وقف هيراقليطس على ضفة نهر في أفسس اليونانية، وأدرك أن أحداً لا يعبر النهر الواحد مرتين. في منطقتنا، صارت الحرب والسلام والهدنة ماءً من هذا النوع: مفاهيم سائلة منذ السابع من أكتوبر، تعلن قرب اتفاق، ثم تلوح بنار، ثم تعقد هدنةً تخرقها رصاصة، فلا حرب صريحة ولا سلام واضح، بل لون رمادي لزج بينهما.
وهذا اللون الرمادي ليس جديداً، وله في التاريخ مصيران لا ثالث لهما.
المصير الأول أن ينفجر. في شتاء 1918، وروسيا تنزف من حرب لم تعد تقوى عليها، دخل ليون تروتسكي قاعةً باردة في مدينة برست ليتوفسك بأقصى غرب بيلاروسيا، وفاجأ مفاوضي الإمبراطوريات بصيغة لم تخطر لأحد: "لا حرب ولا سلام". لن نقاتل، ولن نوقع، وسننتظر ثورةً تشتعل في برلين فتنقذنا. لم تشتعل الثورة، وبعد أيام، في 18 فبراير، زحفت الجيوش الألمانية بلا مقاومة، فاضطرت موسكو إلى توقيع صلح أقسى مما رفضت. الانتظار، حين يصير استراتيجية، يكتشف متأخراً أنه ليس سوى غرق بطيء بثياب النجاة.
والمصير الثاني أن يتجمد. في قرية بانمونجوم على خط التقسيم الكوري، صيف 1953، وقع الطرفان وقفاً لإطلاق النار، على أن يتبعه سلام قريب. لم يأت السلام قط. ما زالت الكوريتان، بعد أكثر من سبعين عاماً، في حرب لم تنته رسمياً، يفصل بينهما شريط منزوع السلاح اسمه السلام وحقيقته رعب مؤجل. الهدنة التي لا تنضج إلى سلام لا تبقى هدنة، بل تصير سجناً مفتوحاً بلا حكم.
وبين المصيرين تتأرجح منطقتنا اليوم. في مضيق هرمز، ذلك الحلق الضيق بين إيران والجزيرة العربية الذي يبتلع نحو ثلث النفط المنقول بحراً، تتحرك السفن وأموال الناس وأحلام السياح بحذر القطط فوق زجاج، في ثقافة جديدة اسمها اقتصاد القلق. والرهان نفسه يتكرر: إطالة التفاوض انتظاراً لانهيار طهران، كأن الزمن وحده يحسم ما تعجز عنه العقول. لكنها تقامر بالمقابل، وترفع كلفة الانتظار على شعب يئن تحت البطالة والتضخم، فلا أحد يربح، والثقة حين تكسر لا تلصق بهدنة.
والمفارقة أن أعذب ما قالته فارس عن وحدة البشر معلق منذ 2005 على جدار الأمم المتحدة في نيويورك الأمريكية، سجادة إيرانية نسجت بخيط من ذهب، تحمل بيتاً لسعدي الشيرازي من القرن الثالث عشر: "بنو آدم أعضاء جسد واحد، خلقوا جميعاً من جوهر واحد". قال شاعر شيراز الإيرانية إن الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائره، ويدير ورثته اليوم سياسة إيلام الجيران. وحدها السعودية، ومعها عقلاء المنطقة، أصرت على أن الحروب لا تحل المشاكل، فنجا الجميع من أكبر أزمة، لا بالسلاح، بل بالعقل.
يبقى السؤال الذي يرتجف تحت كل هدنة: هل الانتظار حكمة، أم أنه الاسم المهذب للانهيار حين يتأخر؟ ربما كانت بعض الأنهار لا تحمل إلى ضفة، بل تجر صاحبها أعمق في ذاتها، وكلما اشتد القبض على مائها، تسرب أكثر، فبقيت الكف مبتلة بكل شيء، فارغة من كل شيء.

تعليقات
إرسال تعليق