2026-04-12

رقصة العقارب في المضيق

على طاولات الدبلوماسية الممتدة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تنكشف فصول مسرحية سياسية معقدة، حيث انطلقت الجولة 3 من المفاوضات المباشرة بين أمريكا وإيران بتمثيل سياسي رفيع. تخلت اللقاءات عن عتمة الغرف الخلفية والوسطاء لتصبح مواجهات وجهاً لوجه، تجمع قيادات تدرك ثقل اللحظة؛ فمن الجانب الإيراني يحضر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وفي المقابل يقف وفد أمريكي مدجج ببراغماتية الصفقات يضم نائب الرئيس جاي دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر. تأتي هذه الجهود المحمومة لكسر جمود طال أمده ودفع مسار التهدئة، في محاولة يائسة لتمديد هدنة مؤقتة صمدت لأيام، بعد أن شهد العالم اندلاع الحرب في 28 فبراير، تلك الحرب التي أشعلت جبهات الشرق الأوسط، وزلزلت استقرار أسواق الطاقة العالمية. غير أن رياح إسلام آباد لا تشتهي سفن التوافق، إذ تصطدم المحادثات بجدار الخلافات الحادة، وتحديداً حول ملف الملاحة في مضيق هرمز، حيث تصف طهران المطالب الأمريكية بحرية الملاحة بأنها مبالغ بها وغير مقبولة، متمسكة بحماية ما تعتبره مكاسب في الميدان، رغم مساعي رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لتقريب المسافات.

في قلب هذه العواصف التي تضرب أطناب الشرق، تقف السعودية كطود عظيم، ترمق هذه التحركات بعين الصقر الذي لا تخدعه بهرجة الدبلوماسية ولا ترهبه حشود الميليشيات. إن مصلحة السعودية هي بوصلة الوجود، ومحور ارتكاز الاستقرار في عالم تتجاذبه الأهواء وتتقاذفه الأطماع. لا تنظر الرياض إلى طاولات إسلام آباد كمتفرج، بل كقوة عظمى إقليمية تدرك أن أمن المنطقة ليس ورقة مساومة تُطرح في مزادات السياسة الدولية. تتكشف الأجندات المعادية بوضوح تام؛ فالمشروع الإيراني، الذي يقتات على تصدير الفوضى وتسليح الممرات المائية، يحاول انتزاع اعتراف دولي بمكاسب وهمية صنعها على جماجم الأبرياء وأنقاض الدول، بينما تتأرجح الإدارة الأمريكية بين رغبة ملحة في التهدئة وحاجة استراتيجية لتأمين تدفق الطاقة. ولكن الرياض تدرك، بوعي جيوسياسي نافذ، أن أي اتفاق لا يستأصل جذور العبث الإيراني ولا يضمن حرية الملاحة وأمن الجوار، هو مجرد استراحة محارب في صراع طويل، وأن العبث بأمن السعودية أو مصالحها هو لعب بالنار التي ستحرق أصابع من يشعلها أولاً.

ولأن التاريخ لا يكتبه إلا من يجيد قراءة دفاتره، فإن أزمة مضيق هرمز الحالية تستدعي إلى الذاكرة فصولاً مظلمة من ابتزاز الممرات المائية. نعود بالذاكرة إلى أيام القائظ في يوليو 1987، حين بلغت حرب الناقلات ذروتها، وحاولت طهران خنق شرايين الاقتصاد العالمي بتهديد السفن التجارية وزرع الألغام في مياه الخليج. يومها، أدركت القوى الدولية أن التساهل مع قراصنة السياسة لا يولد إلا مزيداً من التمرد، فانطلقت العمليات العسكرية البحرية لحماية الناقلات، في رسالة حازمة بأن حرية الملاحة خط أحمر لا يخضع لمزاجيات الأنظمة الثورية. إن ما يجري اليوم في باكستان هو صدى لتلك الحقبة التاريخية، فالمطالب الإيرانية بالاحتفاظ بما تحقق في الميدان ليست سوى محاولة لتقنين القرصنة وتأسيس واقع جديد يكون فيه المضيق رهينة بيد الحرس الثوري. لكن التاريخ يثبت، والسعودية تؤكد بصلابة مواقفها الراسخة، أن محاولات فرض الأمر الواقع عبر الإرهاب البحري مآلها الفشل الحتمي، وأن شرايين الحياة العالمية لا يمكن أن تُترك تحت رحمة نظام يعيش على حافة الهاوية ويستمد بقاءه من اختلاق الأزمات المفتعلة.

أمام هذا العبث الجيوسياسي، تتجلى حكمة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه حين قال: "من يقاتل الوحوش عليه أن يحذر من أن يتحول هو نفسه إلى وحش، وإذا حدقت طويلاً في الهاوية، فإن الهاوية تحدق فيك أيضاً". إن المفاوضين في العاصمة الباكستانية يحدقون في هاوية من انعدام الثقة المطلق، حيث تتحول الدبلوماسية إلى صراع إرادات على حافة الانهيار. وهنا يبرز رأي خبير الجيوبوليتيك البريطاني هالفورد ماكيندر الذي أكد أن "من يسيطر على نقاط الاختناق الاستراتيجية يمتلك رافعة القوة العالمية المباشرة". هذا هو جوهر الصراع في هرمز؛ صراع على رافعة القوة لا على مجرد ممر مائي تعبر منه السفن. وتتجسد هذه المأساة الإنسانية والسياسية في أبيات الشاعر العالمي تي إس إليوت حين يصور حالة الشلل والعجز في الإرادة الإنسانية قائلاً:

"بين الفكرة

والواقع

بين الحركة

والفعل

يسقط الظل".

هذا الظل الثقيل يسقط الآن على طاولات الحوار، يحجب رؤية السلام الشامل، ويستبدل الحلول الجذرية بمسكنات مؤقتة لا تعالج المرض العضال الذي يفتك بجسد المنطقة منذ عقود.

بالنظر إلى التركيبة النفسية والسياسية للوفود المجتمعة، نجد تبايناً صارخاً يعكس عمق الأزمة الهيكلية في مسار التفاوض. الوفد الأمريكي، بقيادة فانس وكوشنر وويتكوف، يحمل عقلية الصفقات التجارية البراغماتية، يبحث عن مخرج سريع يضمن تدفق النفط ويهدئ الأسواق العالمية التي أصابتها لوثة الاضطراب وحمى الأسعار. إنهم يتعاملون مع خرائط الشرق الأوسط كجداول بيانات اقتصادية تتطلب تسويات رقمية ترضي الناخب الأمريكي وتؤمن المصالح الآنية. في المقابل، يقف الوفد الإيراني، متمثلاً في قاليباف وعراقجي، محملاً بإرث أيديولوجي يرى في التنازل خيانة للمشروع الثوري وتفريطاً في دماء الأتباع. إنهم يفاوضون من فوق أنقاض اقتصاد منهار وعملة متهاوية وشعب يعاني شظف العيش، ومع ذلك يكابرون بلغة المنتصر الوهمي، متخذين من أمن المضيق ورقة ابتزاز أخيرة في لعبة بوكر سياسية مميتة. هذا التناقض الجذري بين عقلية التاجر وعقلية الميليشيا يجعل من الوصول إلى اختراق ملموس أمراً في غاية التعقيد، ويؤكد أن الوساطة الباكستانية، رغم نبل مقاصدها وحيادها المعلن، تسير في حقل ألغام تتداخل فيه الحسابات الداخلية للقوى العظمى مع الأوهام الإمبراطورية للأنظمة المارقة.

في خضم هذا المشهد العبثي والضباب الدبلوماسي، تتجلى عبقرية النموذج السعودي الذي اختار طريق البناء والنهضة والمستقبل بدلاً من طريق الهدم والمغامرات غير المحسوبة في ساحات الوغى المفتعلة. بينما تتوسل طهران لرفع العقوبات الخانقة وتلهث خلف هدن مؤقتة تلتقط فيها أنفاسها المتقطعة، تسابق السعودية الزمن لصياغة مستقبل العالم، وتنويع مصادر دخلها الوطني، وبناء مدن الأحلام التي تعانق عنان السماء حضارة وتطوراً. إن السعودية لا تنتظر نتائج مفاوضات إسلام آباد لترسم سياستها الاستراتيجية، بل تصنع واقعاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً شامخاً يجعل من أمنها القومي قلعة حصينة تتكسر على أسوارها كل المؤامرات والدسائس. من يعادي الرياض أو يتربص بها، يجد نفسه في نهاية المطاف في مواجهة إرادة فولاذية لا تنكسر، ودبلوماسية هادئة وحازمة تعزل الخصوم وتجفف منابع طغيانهم دون ضجيج. إن المصلحة العليا للسعودية تقتضي تحجيم الأذرع التخريبية في المنطقة، وتأمين الممرات البحرية التي تعد شريان الحياة للاقتصاد العالمي قاطبة، ولن تسمح لأي تسوية أمريكية إيرانية أن تمر على حساب أمنها الاستراتيجي المطلق أو أن تكافئ المعتدي على عدوانه السافر.

لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أبداً أن الحرب التي استعرت نيرانها في 28 فبراير لم تكن حادثاً جيوسياسياً عابراً، بل كانت نتيجة حتمية ومباشرة لتراكمات طويلة من غض الطرف الدولي عن التجاوزات الإيرانية المستمرة في زرع الخلايا وتصدير الطائفية. الأرواح التي أُزهقت في تلك المعارك الطاحنة، والدمار الذي طال البنى التحتية للدول المجاورة، والاضطرابات العنيفة التي عصفت بأسواق الطاقة، هي فاتورة باهظة تُدفع من رصيد الاستقرار العالمي نتيجة محاولة القوى الكبرى استرضاء نظام لا يفهم إلا لغة القوة والردع الحاسم. إن الهدنة المؤقتة التي دخلت حيز التنفيذ لا تعالج الجرح الغائر في جسد الأمة، بل تخفيه تحت ضمادة مهلهلة سرعان ما ستنزف من جديد. استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء الباكستانيين يعكس حالة من انعدام الثقة المطلق، حيث يخشى كل طرف أن يُظهر أدنى تنازل يُحسب عليه كعلامة ضعف وانكسار. وفي هذا السياق الدقيق، تبدو المطالب الأمريكية بحرية الملاحة مطلباً بديهياً في أي نظام دولي يحترم سيادة القانون وحرية التجارة، إلا أن طهران تصوره كمطلب مبالغ فيه، في محاولة يائسة لقلب الحقائق الساطعة وتصوير الجاني المعتدي في ثوب الضحية المدافعة عن سيادتها المزعومة على ممرات دولية لا تملك حق مصادرتها.

تستمر فصول المفاوضات الشاقة، وتتوالى التصريحات المتناقضة من طهران وواشنطن، لترسم لوحة سريالية من التجاذبات السياسية التي لا تنتهي. التلفزيون الرسمي الإيراني يبث رسائل الصمود الداخلي لتخدير الجماهير، بينما تنقل وكالاتهم الإخبارية رفض المطالب رفضا قاطعا، في مسعى مدروس لتهيئة الشارع الداخلي المأزوم لأي سيناريو محتمل؛ سواء كان انهيار المفاوضات بالكامل أو تقديم تنازلات مؤلمة تحت غطاء بلاغي يزعم الحفاظ على المكتسبات الميدانية الخيالية. ومن قلب صالونات القرار في أمريكا، تصدر التصريحات المقتضبة التي تؤكد استمرار المحادثات، في محاولة للحفاظ على نافذة الأمل مفتوحة وتجنب انهيار الأسواق العالمية التي تراقب مضيق هرمز بحبس الأنفاس وترقب شديد. وبين هذا وذاك، تواصل إسلام آباد جهودها الدبلوماسية المكوكية بين الوفود، مدركة تمام الإدراك أن فشل هذه الجولة المفصلية يعني العودة السريعة والمروعة إلى مربع الحرب المفتوحة التي ستطال شرارتها الجميع دون استثناء. وسط هذا الضجيج المفتعل والمساومات الرخيصة، يبقى الصوت السعودي هو صوت العقل الرزين والحزم الأكيد، محذراً العالم بأسره من أن سياسة أنصاف الحلول والهروب إلى الأمام لن تجلب إلا مزيداً من الدمار والخراب لمنطقة لا تحتمل المزيد من المغامرات الصبيانية.

إن الصراع المستدام في هذه البقعة الجغرافية المعقدة يتجاوز حدود السياسة التقليدية ليمس جوهر الطبيعة البشرية والميل الفطري نحو الهيمنة وتطويع الجغرافيا لخدمة الأيديولوجيا العمياء. عندما تتحول الممرات المائية الحيوية، التي وُجدت أصلاً لربط الشعوب وتسهيل تبادل المنافع، إلى خنادق مظلمة للابتزاز المتبادل، وعندما تُصبح طاولات الحوار ساحات لتبادل الرسائل المشفرة والتهديدات المبطنة بدلاً من صياغة مستقبل آمن ومزدهر، ندرك يقيناً أن الخلل الأكبر يكمن في عمق النظام العالمي الذي فقد بوصلته الأخلاقية وبات يساوم على المبادئ مقابل البراميل. السعودية، بوزنها التاريخي الشامخ ورؤيتها المستقبلية الوثابة، تقف حائلاً صلباً دون انهيار هذا النظام في منطقتنا، متسلحة بإيمان عميق لا يتزعزع بأن الدول العظيمة تُبنى بالإعمار الفعلي لا بالدمار الممنهج، وأن السيادة الحقيقية تتجسد في توفير أسباب الحياة الكريمة والرفاه للشعوب، لا في الزج بها كوقود رخيص في أتون حروب عبثية من أجل شعارات بالية لم تجلب سوى الخراب والتخلف والتمزق. إنها ملحمة مستمرة وعميقة الجذور بين قوى الحياة والبناء وقوى الموت والدمار، بين من يزرع الأمل في صحراء المستحيل، ومن يزرع الألغام في دروب البشرية.

إذا كانت القوة في عالم اليوم تُقاس حصراً بالقدرة على خنق شرايين الحياة وتهديد الممرات التي تتنفس منها الأمم، فما قيمة الوجود الإنساني برمته في ظل هذا العبث الدائم، وهل نحن محكومون كبشر بالدوران العبثي في حلقة مفرغة من الهدن المؤقتة والحروب المؤجلة حتى تفنى الحضارة ذاتها وتأكل نفسها؟

إن الإجابة لا تكمن في اتفاقيات هشة تُكتب بحبر الخداع والمناورة على ورق المصالح العابرة، بل في صحوة كونية عارمة تعيد صياغة مفهوم القوة من جذوره؛ قوة لا تُقاس بعدد الرؤوس المتفجرة أو القدرة السلبية على إغلاق المضائق، بل بقدرة الأمم الحية على خلق فضاءات من النور تتجاوز جغرافيا الدم والبارود، حيث ينتصر في النهاية من يبني جسوراً متينة تعبر عليها أحلام البشرية نحو الغد، لا من يحفر خنادق مظلمة لدفنها حية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رقصة العقارب في المضيق

على طاولات الدبلوماسية الممتدة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تنكشف فصول مسرحية سياسية معقدة، حيث انطلقت الجولة 3 من المفاوضات المباشرة ...