في الـ AI.. هناك شرط نسيناه!


في حجرة الساحر الغائب، عام 1797، يقف صبي وحيداً والماء يتسلق كاحليه. كان قد سرق التعويذة وأيقظ المكنسة لتحمل عنه الماء، فحملته، ثم لم تكف. يصرخ، يشطرها بالفأس، فتقوم من كل شظية مكنسة جديدة تغرف وتغرف، حتى صار يبتهل بصوت يرتجف: "الأرواح التي استدعيتها، لم أعد أقوى على صرفها". لم تكن تلك حكاية أطفال خيالية نظمها غوته، كانت تقريراً نشر يوم الرابع من يونيو 2026.


ولأن أحدث ما تصنعه مختبرات الذكاء الاصطناعي لا يطرح للعامة، فإن ما نراه ليس الحافة، بل ما يقع خلفها بخطوة.


شركة "أنثروبيك" التي تصنع نماذج "كلود" كتبت عن نفسها ما يشبه اعتراف الصبي. قالت إن أكثر من 80 بالمئة من الشفرة التي تغذي أنظمتها صارت بقلم صنيعتها لا بأيدي مهندسيها، وإن النماذج تقترب من عتبة يسميها الباحثون "التحسين الذاتي المتكرر": آلة تعلم نفسها بنفسها، كصبي يكبر في بيت نام فيه كل الكبار. ودعت العالم إلى خيار التمهل أو الوقف المؤقت، معتبرةً أن تباطؤاً عالمياً "سيكون على الأرجح أمراً جيداً".


واقترحت معاهدة على غرار اتفاقات الحد من السلاح النووي. لكن المكنسة أسهل إخفاءً من صومعة صاروخ، ومن ذا يقنع الصين أن تضع مكنستها أرضاً بينما الجميع يغرف؟


قبل ذلك بستين عاماً، في عام 1965، كان رجل اسمه إرفينغ جون غود قد كتب الجملة التي تختصر كل شيء. هذا الرجل نفسه جلس في غرف بلتشلي الباردة قرب آلان تورنغ يفكك شفرات الحرب، ثم استشاره ستانلي كوبريك وهو ينحت هاجسه عن حاسوب يفقد الطاعة. كتب غود: "أول آلة فائقة الذكاء هي آخر اختراع سيحتاج الإنسان إلى صنعه، شرط أن تكون طيعة بما يكفي لتخبرنا كيف نبقيها تحت السيطرة".


الدراما كلها تقيم في تلك الجملة التابعة، في "شرط أن". صنعنا الآلة، وتخطينا الشرط. مكنسة من 1797 وحاشية من 1965 تقولان الشيء ذاته: ما نوقظه قد لا يعرف كيف ينام.


مرةً واحدة في التاريخ كبح العلماء أيديهم بأنفسهم. في فبراير 1975، اجتمعوا في أسيلومار وعلقوا أبحاث الهندسة الوراثية طوعاً حتى يطمئنوا، فعرف الإنسان، ولو ليلةً، كيف يمسك يده عن إكمال ما يقدر عليه.


أما اليوم، فالسؤال الأعمق ليس أين نحفظ نسخة احتياطية من بياناتنا خارج هذا العالم، بل أين نحفظ نسخة احتياطية من قدرتنا على التفكير. ثمة من يبقي في درج بيته جدول الضرب بخط جدته، لا لأنه يحتاج الأرقام، بل كمن يحتفظ بشمعة لليلة ينقطع فيها الضوء، ليتذكر أن العقل فعل هذا وحده ذات يوم.


هل سنطفئ عقولنا لصالح العقل الاصطناعي، كما أطفأنا الحساب الذهني حين جاءت الآلة الحاسبة؟ وهل هذا كهذا أصلاً، أم أن ما يُضمر هذه المرة ليس مهارةً واحدة، بل القدرة نفسها على أن نقرر متى نتوقف؟


في حكاية غوته لم تهدأ المكنسة حين شطرت، ولا حين توسل إليها، هدأت فقط حين عاد المعلم وعرف الكلمة التي تردها إلى الزاوية. ربما لم يكن السؤال يوماً إن كنا نملك السيطرة على ما صنعنا، بل إن كنا ما زلنا نملك السيطرة على أنفسنا. المعلم الذي غادر الحجرة هو نحن. والتعويذة التي ترد المكنسة لم تفقد، لكن المتدرب كبر أكثر من أن يقرأها.

تعليقات