أجراس لا يسمعها أحد

 


في بيت جدتي كانت ساعة حائط عجوز تدق منذ ما قبل ولادتي. لم أسمعها قط. سمعتها مرة واحدة فقط، يوم توقفت. وقفتُ حينها في منتصف الغرفة أنصت إلى صمت لم أعرف أنه كان صوتاً، وأدركت متأخراً أن الدقات التي رافقتني عمراً كاملاً مرت بي دون أن تمسني. كل ما يتكرر لا نشعر به، مهما كان شجياً.

سكان شلالات نياغارا يعرفون هذه الخيانة جيداً. ملايين الأطنان من الماء تهدر قربهم كل ساعة، صوت يقطع السياح آلاف الأميال ليسمعوه، وهم يمرون بجانبه إلى أعمالهم كمن يمر بجدار أصم. تقول الحكاية المتداولة إن الغريب وحده من يسأل: كيف تنامون على هذا الهدير؟ فيجيبون باستغراب أصدق من كل فلسفة: أي هدير؟

وفي صباح بارد من يوم 12 يناير 2007، وقف عازف الكمان جوشوا بيل، أحد أعظم عازفي العالم، في محطة مترو بواشنطن، يعزف باخ على كمان "ستراديفاريوس" يفوق ثمنه 3 ملايين دولار. قبلها بأيام كانت قاعات الكونسيرت تبيع تذاكر سماعه بمئات الدولارات. في المحطة، مر أكثر من 1000 شخص خلال 45 دقيقة. توقف سبعة فقط. جمع 32 دولاراً. لم يكن الناس صماً، بل كانوا معتادين. اعتادوا أن الممرات لا تحمل معجزات، فلم يلتفتوا حين حملت واحدة.

العادة إذن ليست راحة كما نظن، بل تخدير. مخدر رحيم في الألم، قاتل صامت في الجمال. الجرح يندمل بالتكرار، نعم، لكن الدهشة تموت به أيضاً، والوجه الذي نحبه يذوب في الألفة حتى نكف عن رؤيته، ونحن ننظر إليه كل يوم. كتب الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس في كتابه "مبادئ علم النفس" عام 1890 أن "العادة هي الدولاب الهائل الذي يدير المجتمع، وحارسه الأكثر إخلاصاً". حارس مخلص حقاً، لكنه يحرس البوابة من الداخل، ويمنع الدهشة من الدخول إلينا.

أدرك أبو تمام هذه الحقيقة قبل علم النفس بألف عام، حين صاح في الناس:

وطولُ مقامِ المرءِ في الحيِّ مُخلِقٌ

لديباجتيهِ فاغتربْ تتجددِ

اغترب تتجدد. ليست دعوة للسفر بقدر ما هي وصفة للنجاة من العمى البطيء. فالاغتراب الحقيقي ليس أن تغادر المكان، بل أن تغادر العادة وأنت واقف في مكانك. أن تنظر إلى يد أمك كأنك تراها أول مرة. أن تسمع الأذان كما سمعه غريب دخل المدينة للتو فارتجف.

ولعل أقسى ما في الأمر أننا لا نختار ما نعتاده. الدماغ يرشح ويحذف ويطفئ دون استئذان، يقتصد في الانتباه كبخيل، فيدخر دهشتنا للطارئ ويصادرها من الدائم. والدائم هو كل ما يستحق: الضوء، الخبز، الأم، النبض.

فهل كُتب علينا أن نفقد كل شيء مرتين، مرة حين نعتاده ومرة حين يرحل؟

ربما. لكن بيننا وبين هذا القدر هفوة واحدة يمكن انتزاعها: لحظة توقف الساعة قبل أن تتوقف. أن نطفئ العادة عمداً، ثانية واحدة في اليوم، وننظر. فالمعجزة لم تغادر المحطة، نحن الذين مررنا بها مسرعين، وما زال العازف هناك، يعزف.

تعليقات