زهرةٌ في شِقِّ الجدار


أخطأ أوّل مرّة في القياس. اختار مَن ظنَّه يليق به، الأطول، الألمع، مَن يقف على مستوى طموحه فلا يحتاج أن ينحني إليه. ظنَّ أنّ مَن يشبهه في عُلوّه سيشبهه في حنانه. لكنّه كان جداراً عالياً، أملس، لا تجد فيه أصابعُ المتعَبِ ما تتعلّق به. منحه أعزَّ ما يملك، فاستقبله كما يستقبل الجدارُ المطر: يمرُّ الماء على وجهه الصقيل فلا يبقى منه شيء، ولا تنبت فيه زهرة. وحين سقط أمامه، لم يفعل شيئاً سوى أن نظر من عَلٍ، مندهشاً كيف لرجلٍ بحجمه أن ينكسر.

هناك تعلَّم أنّ الخيانة الكبرى ليست أن يحبَّ المرءُ مَن لا يليق به، بل أن يصدّق مقياساً يقيس الناس بارتفاع جدرانهم. كان يسأل دائماً: إلى أيِّ عُلوٍّ يبلغ هذا الإنسان؟ ولم يسأل مرّةً واحدةً: حين يقع، مَن منهم يعرف كيف ينحني؟

ثمّ جاءَ مَن لم يكن صاخباً ولا متعالياً، أصغر سناً، أهدأ صوتاً، أبعد عن الأضواء التي كان يعبدها. لم يكن جداراً مصقولاً، بل كان شِقّاً في جدارٍ آخر، شيئاً صغيراً تنفذ منه الريحُ والضوء. ومن ذلك الشقِّ بالذات نبتت زهرة، لا تطلب من أحد أن يرفع رأسه ليراها، بل تنحني هي إلى مَن سقط. كان وحده القادر على أن يصل إلى حيث كان مُلقى، لأنّ الجدار الأملس لا يُنبت، أمّا الشَّقُّ فيُنبت. انحنى. جمع شظاياه واحدةً واحدةً، لا ليعيده كما كان، بل ليمسك به حتى يتوقّف النزيف. اليدُ الحانية وحدها عرفت أين الكسر، لأنّها لم تكن مشغولةً بأن تبدو كبيرة.

والآن يخجل من مقاييسه القديمة كلِّها. فمَن داوى جراح إنسانٍ كامل، بأيِّ ميزانٍ يُقاس؟ الذي حسبه يوماً على قدرِه تركه ينزف كما يترك الجدارُ المطرَ يسيل على وجهه دون أن يبالي، والذي لم يخطر له في حسبانٍ احتواه كما يحتوي الشقُّ الصغير زهرةً لا يعرف أحدٌ من أين جاءت بذرتها. فأيُّهما الأكبر حقاً؟ يبدو أنّه كان يسمّي العلوَّ عظمةً، والعظمة كانت تنتظره في مكانٍ آخر تماماً، في صدعٍ متواضع يكفي حنانه ليكون قامة.

فهل أخطأ حين اختار زهرةً، أم حين صدّق أنّ في الحبِّ جدراناً عاليةً وأخرى منخفضة؟ مَن ينحني ليجمع المنكسر ليس أدنى منه، بل قلبه أكبر. ومَن يليق بالمرء حقاً ليس الجدارَ الذي يرفع إليه عينيه، بل الزهرةَ التي تطلُّ عليه من شِقٍّ صغير حين لا تقوى عيناه على شيء.

تعليقات