غرفة القَدَر


في اللوحة الملكية الضخمة التي أُنجزت سنة 1545 لتخليد عائلة هنري الثامن، يجلس الملك تحت مظلّة العرش، وإلى جواره تجلس زوجةٌ ماتت قبل 8 سنوات. كانت زوجته السادسة حيّةً تسكن القصر، لكنّ الملك اختار أن تجلس في الصورة الخالدة امرأةٌ واحدة: جين سيمور، الثالثة.

لم يكن هنري رجلاً عاطفياً بمقاييس أيّ عصر؛ تزوّج 6 مرّات، وغيّر مذهب مملكته كلّها ليتزوّج، وأرسل اثنتين من زوجاته إلى المقصلة. لكنه حين بلغ الرابعة والأربعين تزوّج وصيفةً هادئة اسمها جين، فمنحته وليّ العهد الذي انتظره عرشه طويلاً، وماتت بعد 12 يوماً من الولادة. لبس الملك الحداد الأسود شهوراً، وحين كتب وصيّته طلب أمراً واحداً: أن يُدفن إلى جوارها. واليوم، بعد قرابة 5 قرون، من بين 6 زوجات، واحدةٌ فقط تشاركه القبر تحت بلاط كنيسة وندسور: الثالثة.

وبعد أكثر من 4 قرون، خرج نيلسون مانديلا من سجنٍ أكل من عمره 27 عاماً، ليجد أنّ زواجيه الأوّلين احترقا في نار النضال. ثم التقى غراسا ماشيل، أرملة رئيس موزمبيق، امرأةً تعرف الفقد كما يعرفه، وكانت قد أقسمت ألا تتزوّج رئيساً آخر. عجز الرجل الذي هزم نظاماً كاملاً عن إخفاء قلبه، فقال للصحافة: "في أواخر عمري أنا أتفتّح كزهرة بفضل ما منحتني من حبّ ودعم". وفي 18 يوليو 1998، يوم بلوغه الثمانين تماماً، كسرت غراسا قسمها في حفلٍ سرّي لم يعلم به إلا القليلون، فصارت المرأة الوحيدة في التاريخ التي كانت سيدةً أولى لبلدين، وبقيت ممسكةً بيده حتى اللحظة الأخيرة في 2013.

ولأنّ القدر لا يفرّق بين بلاط التيودور وحفلات نيويورك، أعاد تمثيل المشهد سنة 1998. في حفلٍ لأسبوع الموضة، اقترب دونالد ترمب، وكان في الثانية والخمسين وبرفقته امرأةٌ أخرى تلك الليلة، من عارضةٍ سلوفينية شابة اسمها ميلانيا، وطلب رقم هاتفها. رفضت وقلبت اللعبة: "لن أعطيك رقمي؛ أعطني رقمك وسأتصل بك أنا". أرادت أن تختبر أيّ رقمٍ سيمنحها، فأعطاها أرقامه كلّها: المكتب والبيت ومارالاغو. اتّصلت بعد أيامٍ، وفي 2005 صارت زوجته الثالثة، ثم دخلت المرأةُ التي رفضت أن تعطي رقمها البيتَ الأبيض سيدةً أولى، لا مرّةً واحدة بل مرّتين.

ثلاث حكايات تفصل بينها القرون والقارات، ويجمعها رقمٌ واحد. والقدر الذي نتّهمه بالعمى لم يكن أعمى يوماً؛ إنه مصوّرٌ قديم الطراز، يأخذ الوجوه الغالية إلى غرفته المظلمة، ويغمسها في أحواض الانتظار، ويحمّضها على مهلٍ لا يفهمه المستعجلون. الصور الثمينة لا تظهر من أوّل ضوء، وأجمل الوجوه لا يكتمل ظهورها إلا بعد الأربعين: ثالثةً في الترتيب، أولى في الإطار. 

تعليقات