![]() |
| دولي بارتون وزوجها بورتر واغونر |
كيف يُقال الوداع لرجل لا يريد أن يسمع؟
جرّبت دولي بارتون الكلام أوّلاً، قبل أكثر من نصف قرن. كانت في السابعة والعشرين، وكان بورتر واغونر، الرجل الطويل صاحب البدلات المرصّعة وأشهر برامج الأغنية الريفيّة في التلفزيون الأمريكيّ، قد أخذها إلى شاشته قبل ست سنوات وصنع منها نجمة، ثمّ صار لا يطيق فكرة أن تغادر. قالت له إنّها تريد العالم كلّه لا زاوية في برنامجه، فلم يسمع. أعادت القول شهوراً، فلم يسمع. حتّى عادت ذات ليلة إلى بيتها في ناشفيل، وأمسكت القيثارة، وفهمت ما تعرفه الأغاني الكبيرة كلّها: الغناء هو ما يبقى حين تُغلق الآذان في وجه الكلام. في ساعتين خرجت "I Will Always Love You" كاملة، وفي الصباح دخلت مكتبه، وطلبت منه أن يجلس، وغنّت وحدها بالقيثارة. بكى الرجل الذي لم يسمع. قال إنّها أجمل ما كتبت، وإنّ لها أن تذهب بشرط أن ينتج هو التسجيل. ما عجز عنه الكلام في شهور، أنجزته أغنية في أقلّ من ثلاث دقائق.
لكنّ الأغنية لم تبقَ في مكتبه. بعد عام أراد إلفيس بريسلي أن يغنّيها؛ جُهّز الاستوديو، ودُعيت لتحضر وتسمع الملك ينشد كلماتها، وفي عشيّة التسجيل رنّ الهاتف: مدير أعماله، الكولونيل توم باركر، يبلغها أنّ إلفيس لا يسجّل شيئاً إلّا إذا نال نصف حقوقها على الأقلّ، وأنّها قاعدة. ردّت: "إنّها ليست قاعدتي". ثمّ بكت الليل كلّه. امرأة كتبت أغنية عن الرحيل، ورفضت أن يقتسم أحدٌ وداعها.
فبقيت لها وحدها ثمانية عشر عاماً، حتّى اتّصل بها كيفن كوستنر يستأذنها في وضعها في فيلمه "الحارس الشخصيّ". قالت نعم، ونسيت. لم يرسل لها أحد شيئاً. وذات مساء كانت تقود سيّارتها من مكتبها في وسط ناشفيل إلى بيتها، والمذياع مفتوح، حين تسلّل صوت يقول الكلمات الأولى بلا موسيقى. لم تتعرّف عليها في البداية؛ شيء يرنّ في أذنها كصفّارة بعيدة. ثمّ انفتح المقطع بصوت ويتني هيوستن كاملاً، فكادت تصطدم، وأوقفت السيّارة على كتف الطريق، وسمعت الأغنية إلى آخرها. المرأة التي كتبتها لأنّ رجلاً رفض أن يسمع، صارت هي من لا تقدر إلّا أن تسمع. الصدى الوحيد في التاريخ الذي عاد أعلى من الصوت.
من كتف الطريق ذاك انطلقت الأغنية إلى كلّ مذياع في الأرض، ولم تعد لدولي وحدها؛ صارت لويتني بقدر ما هي لها، وربّما أكثر. ولهذا حين ماتت ويتني بعد عشرين عاماً، قبل أن تبلغ الخمسين، وحُمل نعشها خارج الكنيسة، كانت الأغنية نفسها تُعزف بصوتها. قالت دولي بعدها: "أراهن أنّهم سيعزفون الأغنية نفسها حين أرحل".
يوم الثلاثاء الماضي، في ناشفيل، رحلت دولي بارتون في الثمانين، بعد عام ونصف من رحيل كارل دين، الرجل الذي بقيت معه قرابة ستّين عاماً. المرأة التي كتبت أشهر أغنية رحيل في القرن لم تغادر تينيسي، ولم تغادر رجلها. وحتّى بورتر، زوجها المحب، عادت إليه بعد ثلاثة عقود، على مسرح غراند أول أوبري، قبل أشهر من موته، لتغنّي له الأغنية ذاتها وهو يبكي على كرسيّه كما بكى في مكتبه. ربّما لم تكن أغنية وداع قطّ؛ ربّما كانت وعداً بالبقاء متنكّراً في ثياب الرحيل، ولهذا لا تعرف كيف تغادر.
كُتبت لرجل واحد لا يريد أن يسمع أنّها راحلة. هذا الأسبوع يجلس العالم كلّه في كرسيّ بورتر. وهي، كما في ذلك الصباح، لا تشرح. تغنّي.

تعليقات
إرسال تعليق