طينٌ من مِسك


المِسكُ على الأرض. الكافورُ والعنبرُ وماءُ الورد تُسكَب في صحن القصر حتّى يصيرَ الطِّيبُ وَحْلاً. وامرأةٌ سمراءُ تخلع نعليها وتضحك، وتغوص بقدميها في طينٍ لم يخطُر ببال أحدٍ قبل ذلك اليوم أنّ الطينَ يمكن أن يكون هديّة.

هذا ما فعله المعتمدُ بن عبّاد، أميرُ إشبيلية، لأنّ زوجتَه أطلّت من نافذتها ذات صباحٍ فرأت نساءً يبعن اللبنَ ويخُضن في وحل الشارع، فاشتهت أن تفعلَ مثلهنّ. لم يسألها لماذا. لم يقل لها إنّها ملكة. أمر بأن يُصنعَ لها طينٌ من عطر، وقِرَبٌ وحبالٌ من حرير، ووقف يتفرّج.

قبل ذلك بسنوات، كان يمشي مع صاحبه ابن عمّار على ضفّة الوادي الكبير، فعبثت الريحُ بسطح الماء، فقال نصفَ بيت:

"صَنَعَ الرِّيحُ مِنَ الماءِ زَرَدْ"

وانتظر من الشاعر أن يكمله. فسكت الشاعر. وجاء الصوتُ من جهةٍ أخرى، من فتاةٍ تغسل الثيابَ في النهر:

"أَيُّ دِرْعٍ لِقِتالٍ لَوْ جَمَدْ".

التفت. سمراءُ، كما تحبّ بعضُ الروايات أن تصفَها، بسُمرةِ من تقضي نهاراتها تحت شمس النهر. وحين ابتسمت لجرأتها لمع بياضُ أسنانها فوق تلك السُّمرة كما لمع الزَّرَدُ الذي تحدّث عنه على صفحة الماء. فهم الأميرُ في تلك اللحظة أنّ البيتَ اكتمل مرّتين. كان اسمُها اعتماد، جاريةً لرجلٍ يُدعى رُمَيك. اشتراها وأعتقها وتزوّجها، ثمّ بدّل لقبَه من المؤيَّد إلى المعتمِد ليحملَ اسمَها في اسمه. رجلٌ غيّر لقبَه الملكيَّ من أجل امرأة، قبل أن يغيّرَ أرضَ قصره من أجلها.

كانت تغضب كالأطفال وتشتهي كالأطفال. بكت مرّةً لأنّ الثلجَ لا يزورها، فأمر بغرس أشجار اللوز على جبل قرطبة، حتّى إذا أزهرت بدت قممُه بيضاءَ، ثلجاً لا يذوب. كان دَلالُها يُرهقه أحياناً، ولا شكّ. أيُّ رجلٍ لا يتعب من امرأةٍ تريد المستحيلَ قبل الفطور؟ لكنّ الغريبَ أنّ التعبَ كان يزيده تعلّقاً. كأنّ الطفلةَ التي فيها هي البابُ الوحيدُ الذي يدخل منه إلى نفسه حين تُغلَق عليه أبوابُ المُلك.

ثمّ أُغلِقت الأبوابُ فعلاً. سقطت إشبيليةُ في يد المرابطين عام 1091، وسيقَ الملكُ وأهلُه أسرى إلى أغمات، قريةٍ صغيرةٍ قرب مرّاكش، حيث غزلت بناتُه الصوفَ بأيدٍ كانت تلبس الخواتم. وفي تلك الغربة تشاجر الزوجان كما يتشاجر الأزواج، فقالت له في لحظة قهر: "والله ما رأيتُ منك خيراً قطّ". فأجابها بكلمتين صارتا مثلاً من بعده: "ولا يومَ الطين؟". فأطرقت واستحيت، ثمّ لاح من تحت خجلها بياضُ الابتسامة القديمة، ابتسامةِ النهر.

لم يكن يذكّرها بجميله. كان يذكّر نفسَه بأنّ تلك الأيامَ حدثت.

ماتت في أغمات عام 1095، ولحق بها بعد أشهر، ودُفنا في غرفةٍ واحدة، تحت طينٍ حقيقيٍّ هذه المرّة، بلا مِسكٍ ولا عنبر. وتلك هي المعادلةُ التي لا تُحَلّ في الحبّ: طينٌ من عطرٍ يشتريه ملكٌ بخزائنه، وطينٌ من ترابٍ لا يكلّف شيئاً، والمرأةُ نفسُها هناك في الحالين.

تعليقات