الفتاتُ كان رغيفاً


الحسابُ بسيطٌ إلى حدٍّ مُهين. وُلدتُ في 1981، فعشتُ حتّى الآن 44 سنة. أطرحها من متوسّط ما يعيشه الناس، فيخرج لي رقمٌ أصغر من الرقم الذي بدأتُ به. ما تبقّى أقلّ ممّا مضى. الأمر لا يحتاج عبقريّاً، بل لحظة صدقٍ أجرؤ فيها على النظر إلى الورقة.

لكنّ الطرح يكذب مرّتين. الكذبة الأولى أنّه يعامل السنوات كأنّها متساوية. السنة في الخامسة كانت خُمسَ كلّ ما عرفتُه من الدنيا، فامتدّت كصيفٍ لا ينتهي. والسنة الآن جزءٌ واحد من 44، تمرّ كعطلة نهاية أسبوع. بهذا الميزان انقضى نصفي المحسوس قبل نصفي المكتوب بزمنٍ طويل، والباقي أقلّ ممّا تقوله الورقة. هنا يصير الحساب قاسياً حقّاً.

الكذبة الثانية ألطف، وهي التي تُنقذ. الطرح يفترض أنّ الزمن مخزونٌ في التقويم، والحقيقة أنّه مخزونٌ في الذاكرة، والذاكرة لا تحتفظ إلّا بما انتبهنا إليه. السنة التي مرّت ونحن غافلون لا تُحسب ناقصةً بل معدومة، كأنّها لم تُعَش. فالباقي ليس رقماً ثابتاً، بل مادّةٌ مطّاطة: تضيق بالغفلة وتتّسع بالانتباه.

أجرى هذا الحسابَ رجلٌ قبلي، وكان أصغر منّي بستّ سنوات حين أجراه. في 28 فبراير 1571، يوم عيد ميلاده الثامن والثلاثين، وفي برجٍ حجريّ مستدير في بيريغور بجنوب غرب فرنسا، أمر أن يُكتب على جدار مكتبه باللاتينيّة ما يشبه شاهد قبر: إنّه سئم خدمة المحاكم والمناصب، وإنّه ينسحب إلى كتبه ليقضي بينها "القليلَ الذي تبقّى من عمرٍ مضى أكثرُ من نصفه". كان اسمه ميشيل دو مونتين. حوله ألف كتاب، وعلى عوارض السقف حِكَمٌ يونانيّة ولاتينيّة يرفع إليها عينيه حين يتعب، وفي صدره صديقٌ مات قبل ثماني سنوات ولم يجد مثله بعد. القليل الذي تبقّى كان 21 سنة. لا أحد يتذكّر الثماني والثلاثين التي سبقتها. كلّ ما يعرفه العالم عن هذا الرجل خرج من الجزء الذي ظنّه فتاتاً. لم يصلنا منه إلّا الفتات، وكان الفتاتُ رغيفاً كاملاً.

في الفصل الأخير من كتابه، وقد ضاق العمر أكثر، كتب أنّ متعة الحياة تُقاس بمقدار الانتباه الذي نمنحه إيّاها، ثمّ وضع الجملة التي تشرح كلّ شيء: "بقدر ما يقصر امتلاكي للحياة، عليّ أن أجعلها أعمق وأكثر امتلاءً". لم يطلب سنواتٍ إضافيّة، طلب وزناً. الرجل الذي بدأ بالطرح انتهى بالضرب.

وهنا يدخل البشر في المعادلة. الساعة مع من يضحك على خطئه، ويحمل مسؤوليّته من غير أنين، ومن ضربته الحياة فلم يتحجّر، ساعةٌ لها وزن؛ تدخل الذاكرة وتبقى. أمّا التافه فلا يسرق الساعة منّا، بل يسرقها من الذاكرة قبل أن تصل إليها، فتُطرح من العمر مرّتين: حين تمرّ، وحين لا تُذكر. ليس النضج أن نحتمل الحمقى أو نطردهم؛ النضج أن نعرف أنّ الوقت معهم ثقبٌ في الكيس.

والحبّ في هذا العمر ليس قطعةً أخرى في الكيس، بل الخيطُ الذي يُرتق به. في العشرين كان الحبّ عدّاً: كم مرّة، وكم بسرعة، ومن يقولها أوّلاً. كان يأخذ الوقت ونحن نضحك. في الرابعة والأربعين لم يعد يأخذه، صار يُعيده: وجهٌ واحد يُنظر إليه أطول، وكلامٌ لا يحتاج أن يكون جديداً ليكون عميقاً. السعادة هنا ليست أن أُحَبّ كثيراً، بل أن أُحِبّ بانتباه؛ فالحبّ أثقلُ صورةٍ يتّخذها الانتباه، والساعة مع من نحبّ هي الوحيدة التي لا تُطرح من العمر، بل تُضاف إليه.

لا أعرف كم بقي في كيسي. أعرف فقط أنّني صرتُ أقرأ الصفحات العشرين الأخيرة من كلّ روايةٍ جيّدة أبطأ من المئتين الأولى، وأنّني صرتُ أحبّ بالطريقة نفسها. لم تتغيّر الصفحات. أنا الذي عرفتُ أخيراً أنّها ستنتهي.

الحساب إذن صحيحٌ وخاطئ معاً: ما تبقّى لي أقلّ عدداً، وربّما كان، بميزانٍ لا يعرفه التقويم، هو العمر كلّه. في الطابق الأعلى من برجٍ في بيريغور، ما زال جدارٌ يقول ذلك منذ 455 عاماً.

كتب ذلك الرجل على جداره ما يشبه شاهد قبر، وأنا أطوي ورقتي على ما يشبه الدعاء؛ فالحساب الوحيد الذي يُخيفني حقّاً ليس في التقويم، ولا في يدي. أسأل من يُحصي ما لا أُحصي، ويرى في الكيس ما لا أرى، أن يغفر لي ما تقدّم وما تأخّر؛ ما تقدّم من ذنبي في السنين التي عددتُها، وما تأخّر منه في التي لم أعدّها بعد. لا أسأله أن يزيد العدد، فقد تعلّمتُ أنّ الوزن أهمّ؛ أسأله أن يجعل ما بقي أثقلَ بالخير ممّا مضى، وأن تكون رحمتُه يوم أُوزَن أثقلَ من حسابي كلّه. هو أعلم بما في كيسي، وأرحم بي من أرقامي. إنّه سميعٌ مجيب.

تعليقات