2011-06-21

لماذا الآن.. قادت المرأة السيارة في السعودية؟


في عام 1990 خرجت 47 امرأة شريفة في الرياض، وكسرن الحظر غير الرسمي على قيادة المرأة للسيارة في السعودية. كُن معلمات أو طالبات، نساء مفكرات وفاعلات، أدت أعمالهن الشجاعة إلى تخريب حياتهن، حيث صودرت جوازات سفرهن، وخسرن وظائفهن، وأُزعجت عوائلهن.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تعالت أصوات طلاب دين ومشائخ في الأسواق والمجمعات التجارية آنذاك بالتحذير من هؤلاء النسوة والتنبيه من مسلكهن، وأنهن مسخرات للإغواءات المنقولة من الغرب التي تهدف إلى زوال شرف جميع السعوديين!

تداعى أنهن زعيمات للرذيلة، ويكسبن حياتهن من خلال ممارستهن الدعارة، وقد تم على إثر هذا التنديد بهن في الجوامع من رجال يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء!

فهل نشهد الآن ذات المسرحية، ولكن على صفيح ساخن، وتُعرض على جمهور مغاير تماماً؟ المهندسة منال الشريف اتهمت في عِرضها أيضاً، وسُجِنت (ربما لأسباب أخرى غير قيادتها للسيارة)، ولكن لم يُزعَج أهلها، ولم تخسر وظيفتها، بل كُرِّمت من قِبل الحقوقيين والمنادين بحرية انتهاج المباحات، بل وقابل نفر من أسرتها الملك، وتبع ذلك دعوات صريحة لقيادة السيارة، لبَّى نداءها مجموعة لا يستهان بها من الأكاديميات والمعلمات والفاعلات في المجتمع، دون مضايقات يستحق ذكرها مِن قبل رجال الأمن، حتى وصلت إلى مسامعنا تسريبات تقول بإن هناك أوامر من جهات عليا بغض الطرف عن أية امرأة تقود سيارتها في المملكة!

أكاد أجزم أن السعودية لم تشهد ضغطاً اجتماعياً قوبِل ببوادر إيجابية، تنم عن استحياء في اتخاذ قرار الموافقة، كما يحدث الآن مع أمر قيادة المرأة للسيارة. فردُّة فعل المؤسسة الدينية لم يكن حازماً ملزماً، وأفراد الأمن يتعمدون الإشاحة بوجوههم عن النسوة اللاتي يقدن سيارتهن في جدة الآن، كما عرفتُ من الإعلامية ميساء العمودي أمس، نقلاً عن صديقتها التي تقود سيارتها في جدة منذ أيام.

عدة عوامل مهمة تكالبت ليبرز لنا الموقف الرسمي الغريب هذا، فمطالبات الإصلاح التي يدور رحاها ولم يضعف في دول تحيط بنا، والشبكات الاجتماعية التي يزداد تأثيرها مع مرور الوقت، وموقف الشعب من ثورة حُنين الذي سُرَّت به القيادة وأجابت عليه بهِبات وعطايا وإصلاحات تاريخية، ويبدو أن الشعب لا يزال يمون، واتساع أعداد الحقوقيين الصادقين في رغبتهم بدولة لا تقل شأناً في أمر حرية الفرد عن دول العالم، والمقارنات المُجدية في منطقيتها بين السعودية التي تُعد الوحيدة التي تُحرم على المرأة قيادة السيارة، وبين الباقي من دول العالم، والضغط الخارجي عبر المظاهرات المحدودة التي خرجت في أوكرانيا وواشنطن، وتصريحات وزيرة الشباب الإيطالية وإشارة وزيرة الخارجية الأمريكية المقتضب للقضية.

هناك عامل آخر تجدر الإشارة إليه! تقول البريطانية جين ساسون على لسان إحدى حفيدات الملك عبدالعزيز في الكتاب الذي جمع يومياتها "سمو الأميرة"، حين سطرت الأميرة موقف زوجها (الأمير القيادي في الدولة) من النسوة اللاتي خرجن للقيادة في 1990: "ألم يعرف؟ لقد كسرت النساء أول الحواجز المستعصية. إنهن يطالبن بحقهن في قيادة السيارات! سكَّن ردُّ فعل كريم (زوجها) ردَّة فعلنا. كنتُ أعرف رأيه في الأمر؛ سيقول إنه لا توجد إشارة إلى المسألة في ديننا. فهو، على غرار الكثير من الرجال السعوديين الآخرين، اعتقد دوماً أنه من السخف منع النساء السعوديات من قيادة السيارات. إلا أن زوجي تفوَّه بصوت متعب بما لا يُعقل "هذا بالتحديد هو العمل الذي لم نردكن أن تقمن به أيتها النساء! فنحن نحارب المتعصبين في كل مناسبة! وخوفهم الأكبر أن ينتج عن قراراتنا تحرك النساء سعياً نحو المزيد من المزايا". ثم قال صائحاً: "ما الأهم بالنسبة إليكِ، يا سلطانة، أن نحظى بجنود يحمون حياتنا من التهديد العراقي، أم اختيار هذا الوقت لقيادة السيارة؟".

إن التباين في موقف المؤسستين الرسمية والدينية بين مطالبات 1990 ومطالبات 2011 يُجلي لنا وقع تأثير الإصرار الشعبي على موقفه من قضايا مُعينة، حين تكون الظروف مؤاتية، ولا تضر تلك القضايا بالأمن العام الداخلي ولا تخل بالنسيج الديني، حتى مع الحياء الواضح لدى الدولة في اتخاذ قرار يضع قوانين تقر وتنظم قيادة المرأة للسيارة في السعودية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق