تطبق البوارج الأميركية في هذه الساعات حصاراً خانقاً على الموانئ في إيران، في مشهد يعكس ذروة التصعيد العسكري الذي يهدف إلى شل حركة الملاحة وتجفيف منابع القوة، مما أثار موجة من الغضب العارم في طهران وزاد من ضبابية المشهد في الممرات المائية الدولية. وبالرغم من هذه الأجواء المشحونة، سجلت أسعار النفط تراجعاً لافتاً لتستقر تحت حاجز 100 دولار اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، في مفارقة اقتصادية تعكس ثقة الأسواق في وجود بدائل استراتيجية تضمن استقرار الإمدادات بعيداً عن تقلبات السياسة. وقد تأكد اليوم أن المحادثات التي جرت في إسلام آباد بين ممثلي واشنطن وطهران قد انتهت رسمياً دون تحقيق أي نتائج تذكر، مما بدد الآمال الضعيفة في التوصل إلى تسوية دبلوماسية قريبة. وفي هذا السياق، أكد دونالد ترمب أن طهران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً، مشدداً على أن لغة الابتزاز لم تعد تجدي نفعاً أمام إرادة دولية مصممة على حماية أمن الكوكب من التهديدات التي تتربص باستقرار الاقتصاد العالمي.
ولم يكد العالم يستوعب تلك التحولات حتى انفجر الوضع العسكري في 22 سبتمبر 1980، عندما بدأت القوات العراقية هجوماً واسعاً عبر الحدود المشتركة، معلنةً انطلاق حرب استمرت 8 سنوات حصدت أرواح أكثر من 1 مليون إنسان. في ذلك التاريخ، دخلت المنطقة في نفق مظلم شهد ولادة "حرب الناقلات" في مياه الخليج، حيث استهدفت السفن التجارية للي ذراع المجتمع الدولي، وهي الاستراتيجية ذاتها التي تحاول طهران استنساخها اليوم لمواجهة الحصار البحري الأميركي. إن تلك الحرب التي انتهت في أغسطس 1988 بقرار تجرع فيه الخميني "سم" وقف إطلاق النار، تركت بلاداً محطمة اقتصادياً ومنبوذة دولياً، وهو الدرس الذي يبدو أن العقل السياسي الحالي في طهران قد نسيه أو تناساه، مفضلاً المضي في مسار نووي يتشح برداء السلمية بينما يخبئ خلفه أطماع الهيمنة النووية التي تثير رعب الجوار.
إن هذا المسار النووي الملتوي يتكامل مع سياسة ممنهجة لتسليح الميليشيات، حيث تحولت عواصم عربية عديدة إلى ساحات لجيوش الظل التي تقتات على الفوضى وتنفذ أجندات لا تمت بصلة لمصالح تلك الشعوب. هذه الميليشيات ليست سوى خيوط في نسيج العنكبوت الذي تحاول طهران نسجه حول المنطقة، مدعومة ببرنامج متسارع للصواريخ الباليستية بعيدة المدى، تلك السهام الحديدية التي لا تهدف لحماية الحدود بقدر ما تهدف لتهديد العمق الاستراتيجي للدول المستقرة. والمفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الترسانة الضخمة، وهذا النفخ في كير الحروب، لا يوجهان نحو الخصوم البعيدين الذين ترفع الشعارات ضدهم، بل ينصب أذاها بالدرجة الأولى على دول الخليج، تلك الجارة التي مدّت يد البناء والوئام، فجوزيت بمحاولات التخريب، وزرع خلايا التجسس، وتهديد أمن منشآتها الحيوية، في نكران واضح لكل مواثيق حسن الجوار.
يقول السياسي الأميركي هنري كيسنجر في أحد تحليلاته العميقة: "على إيران أن تقرر ما إذا كانت دولة أو ثورة، فالدولة تسعى للأمن والتعاون، أما الثورة فتسعى للتقويض والاضطراب". وما نراه اليوم في أبريل 2026 هو اختيار طهران الواضح لمنطق الثورة المدمّر، حيث تنفق المليارات على الصواريخ العابرة للحدود وتجهيز الفصائل المسلحة، بينما يرزح الداخل تحت وطأة العوز. وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف توماس هوبز أن غياب السلطة العقلانية الملتزمة بالقوانين يؤدي إلى حياة "مقززة، وبهيمية، وقصيرة"، وهو بالضبط ما تفرضه تلك السياسات على المناطق التي تتغلغل فيها. إن الهجمات الأخيرة التي استهدفت الملاحة والمنشآت في دول الخليج، تؤكد أن البوصلة الإيرانية قد انحرفت تماماً عن "عدوها المفترض" لتصوب سهامها نحو صدور الأشقاء، في محاولة يائسة لتصدير أزماتها الداخلية.
بين ضجيج المحركات العسكرية في البحار وسكون الغرف المغلقة التي شهدت فشل محادثات إسلام آباد، يبرز التساؤل حول مصير الشعوب التي تُساق نحو الهاوية باسم السيادة الموهومة. إن انخفاض سعر النفط تحت 100 دولار رغم كل هذا التصعيد هو صفعة قوية للرهانات التي كانت تعتقد أن تهديد الملاحة سيخضع العالم. لقد أثبت الواقع أن القوة ليست في الصراخ، بل في القدرة على الصمود داخل منظومة تحترم القواعد. وكما قال الشاعر اللورد بايرون في قصيدته "حطام السفينة":
"البحر لا يمنح أحداً حق المرور
إلا لمن يتقن فن الإبحار مع الريح
أما من يعاند الموج فمصيره القاع"
وهذا هو حال القيادة التي تصر على تحدي منطق التاريخ والجغرافيا ببرامج تسلح تفتقر للمشروعية الأخلاقية والسياسية.
إن المضي في برنامج الصواريخ الباليستية وتسليح الأذرع التخريبية هو هروب للأمام من استحقاقات الدولة الوطنية؛ فالدولة القوية هي التي تحمي جيرانها وتساهم في رخائهم، لا التي تحول حدودهم إلى حقول ألغام. إن العالم اليوم يراقب كيف تتحول الموانئ من بوابات للرزق إلى أقفاص للحصار بسبب تعنت لا يرى أبعد من فوهة بندقية ميليشياوية. إن الحقيقة المرة التي تحاول طهران تغطيتها بغبار المعارك هي أن قوتها المزعومة لم تجلب لها سوى العزلة، ولم تجلب لجيرانها سوى الأذى الذي سيرتد حتماً على صاحبه.
لماذا يختار البعض العيش في دهاليز الظلام بينما تشرق شمس السلام على كل الأبواب؟ إن الظلام ليس غياباً للضوء فحسب، بل هو خوف دفين من مواجهة مرآة الحقيقة التي تكشف زيف الأوهام؛ وعندما تصمت أصوات العقل وتدوي قعقعة السلاح ضد الجار قبل البعيد، ندرك أن النجاة ليست في امتلاك الصاروخ، بل في امتلاك الضمير الذي يمنع إطلاقه، فالمد والجزر قد يغيران شكل الشواطئ، لكنهما لا يمحوان أبداً خطايا من لوثوا الماء بالدماء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق