ماذا جئتُ أفعل هنا؟


منتصف الليل في الرياض. مكتبي في زاوية الصالة، الستائر مفتوحة على شارع هادئ، وموسيقى خافتة تملأ البيت وتتسلّل من تحت الأبواب إلى الغرف النائمة. التلفاز على الصامت، مفتوح على العربية، مذيعةٌ بوجه أعرفه جيّداً تقرأ الأخبار بلا صوت، شفتاها تتحرّكان على اللحن كأنّها تغنّي الأخبار. النباتات حولي نائمة بأوراقها كلّها. في يدي كوب شاي تأخّر أكثر ممّا ينبغي. لا اجتماع، ولا رسائل، ولا شيء يُنتظَر. الهاتف على المكتب، على وجهه، مثل قطّة تنام على ظهرها لأنّها آمنة.

جاء الإنذار في أوّل الليل، مع أوّل كوب شاي في سهرتي. رنين طويل على الهاتف ورسالة قصيرة: "للتحذير من خطر"؛ صاروخ أطلقته ميليشيا الحوثي الإرهابيّة من اليمن، اعترضته الدفاعات في الجوّ قبل أن يصل. دويٌّ بعيد كَبابٍ يُغلَق في بيت الجيران، وبعد دقائق رسالة أخرى: "زال الخطر عن مدينة الرياض". نظرتُ إلى الأولى وعُدتُ إلى ما كنتُ فيه، أمّا الثانية فلم أنظر حتّى. ليس لأنّني لا أبالي؛ بل لأنّني كنتُ أعرف أنّها ستأتي، كما أعرف أنّ الصبح سيأتي.

في باريس، في غرفة ضيّقة يملؤها دخان الشموع، قضى بليز باسكال سنواته الأخيرة مريضاً، يكتب على قصاصات ورق ويربطها في حزم بخيط. كان قد اخترع آلة حاسبة وهو في التاسعة عشرة، وأثبت أنّ للهواء وزناً، ثمّ اختار أن يبقى في غرفته. وحين مات في صيف 1662، في التاسعة والثلاثين، وُجدت بين قصاصاته جملة ما زالت تُقرأ بعد أكثر من ثلاثة قرون ونصف: "شقاء الناس كلّه يأتي من شيء واحد: أنّهم لا يعرفون كيف يبقون هادئين في غرفة". فكّرتُ الليلة: ربّما هذا سرّ اطمئناني. مكتبي ليس غرفة، بل مساحة صغيرة في الصالة، والصالة هي ما تُفتَح عليه كلّ أبواب البيت، وأنا جالس في وسطها لا في أيّ باب. والرياض كلّها صالة كبيرة تعرف كيف تبقى هادئة، وأنا في وسطها أعرف تماماً لماذا أنا هنا.

أمّا الذين يشقون فهم الذين يقفون في الأبواب. على الشاشة الصامتة الآن سفن واقفة عند هرمز لا تدخل ولا تخرج، وعاصمتان في العتبة نفسها، طهران تقول مغلق وواشنطن تقول مفتوح، ومفاوضون يتجادلون من أيّ باب يدخلون أوّلاً؛ كلّ ذلك يمرّ أمامي بلا صوت، على لحن هادئ، كأنّه فيلم قديم عن بلاد أخرى. لكنّ طهران، وهي واقفة في ذلك الباب، لها أذرع طويلة في المنطقة؛ واحدة منها تمتدّ من اليمن وتطرق أبوابنا بالصواريخ: مطارات كان فيها مسافرون ينتظرون رحلاتهم، وشظايا على روضة أطفال وبيوت نام أهلها آمنين، وأرواح زُهقت لن تعود. لا شيء من هذا يشبه السياسة ولا الحرب بقوانينها؛ هو إرهاب بكلّ المعايير، ذراع تُسلَّح وتُدفَع من هناك. تضعهم الشاشة على بُعد مترين منّي، وهم أبعد ما يكونون؛ أبعد من هرمز، وأبعد من البحر الذي تقف فيه سفنهم. ما بيننا ليس مسافة تُقاس، بل يقين: هم واقفون في أبواب لا يملكونها، ونحن في بيوتنا نعرف أنّ فوق رؤوسنا من يراقب السماء ولا ينام، وأنّ ما يُرسَل إلينا في الليل يُردّ في الجوّ قبل أن يصل.

النباتات على الحافّة تعرف جملة باسكال من غير أن تقرأها. لم تغادر مكانها منذ شهور، ولم تنسَ مرّة أين الشمس. الاطمئنان ليس أن لا يأتي الإنذار. الاطمئنان أن تبقى في مكانك حين يأتي، وتعرف أنّ الصبح على بُعد ساعات، وأنّ أوراقك ستلتفت إليه وحدها.

سأترك الموسيقى تُكمِل وحدها، وأطفئ الضوء. الشارع هادئ، والهاتف نائم، وأنا أعرف ماذا جئتُ أفعل هنا.

تعليقات