فراغٌ حتى التخمة

غادرتُ بيتي متجهاً نحو ناصية الشارع الضيق الذي ينتهي بحانة القهوة التي بها اعتدت استلهام واقعي لأرسمه على طريقتي. في نيّتي أنّي في ذات العالم، فلم أنوِ مغادرته إلى خيالي بعد! إلا أن الشارع بدا فارغاً مُذْ ترجَّلتُه، فارغاً حتى التخمة! لا سياراتٍ جائبة، ولا أناساً سائرين. كل ما يتحرك أنا والسماء، ونجوم باهتة حدباء. اعتقدت أني أحلم، إلا أني لم أعتد إنهاء أحلامي، فكيف لي الآن أن أنهي سكوناً لطالما أنشدته؟

تعجبتُ وابتسمت، وسرتُ غيرَ مكترثٍ، علّي أشاهدُ ما يثبتْ أني مستيقظ. وصلتُ إلى الحانة، ودخلتُ مُسلماً على جدران، وكراسيَ، وواجم أركان! قهوتي ساخنة جاهزة، على الطاولة المعتادة، ولا أحد سوايَ ينبض في المكان، الذي يعجّ عادة بكل صنوف الحياة!

أظنُّ متيقنا أنها مزحة! وسأظل ظاناً، حتى تلسعني أولى الرشفات.

هكذا دون مقدمات بدأت رحلة التجرد، ولم أهتم كثيراً لوقف دوران الأرض، فكيف بمسافر تطوى له البسيطة ويصل قبل الأوان إلى مراده! هل يُعقل بي أن أتذكر اليابس إن كنتُ في عرض البحر؟ لا.. وألف لا! سأحيى لحظتي، وسألغي كل القوانين الطبيعية وغير الطبيعية، سأبقى في عرض سماء التجرد، لا بشر ولا مبادئ ولا تفاسير قد تصيب وقد تخطئ. سأبقى، وسأقاتلُ كي أبقى.


أخاف أنَّ ما حولي نذير إعصار سيتلقفني ويبتلع كل ما يتصل بي!

لا!
لا يا رجل!
ألم تعتد عيش الأوقات بما تحتويه لحظتها، دون تكهنات بالتالي أو مظنات؟
حسنا! هأنا ذا في مكاني المعتاد، قهوتي المعتادة، كل شيء كما اعتدته، إلا الصخب! أين صوت تعليقة باب الحانة الذي يتكرر كل نصف دقيقة؟ أين أصوات المباريات الممزوجة برائحة الدخان والموكا؟ أين الحلاقين والمستثمرين والبطَّالين وحواراتهم المختلفة في كل شيء؟ أين أصدقائي النوادل، وصوت مكينة النقد الذي طالما أنفته لأنه يسحبني إلى الواقع المادي سحباً في كل مرة أسمعه وأكون سابحاً في عوالمي؟

قمة الغرابة!

كنت أتمنى وأتصور كثيراً.. ماذا لو يحدث ما يحدث الآن كي آخذ وقتي وأخالط ملهماتي بأريحية وهيام، دون عوامل الحانة الساحبة لشدة واقعيتها! والآن، أنا منجذب كثيرا للتفكير في افتقاد تلك العوامل.. لا! إني لا أفتقدها، بل أتأمل الفرق وحسب!

طيب! من أين أبدأ؟ ماذا سأكتب؟ آه! هي.. حبيبتي! طيب. سأقول:

"حبيبتي..
أينك الآن؟
كل آن
يا شمس أيامي
يا سماء فكري
وكَوْنٌ من الأمان"


يا ربي!

الهدوء يكاد يشلني!


"حبيبتي..

افتقدت بهاكِ
افتقدت بحرك وماكِ
افتقدت…"

ليس لي مزاج، لا للكتابة، ولا لأن أكمل. أشعر برتابة مُسئِمة! أريد أن أغادر الآن. لا أدري كيف أدفع ثمن قهوتي! سأغادر، وسأضع ثمن القهوة على الطاولة.


الشارع كما تركته قبل ساعة! يصرخ كوحش فاغر فِيهِ لفَضَاه! منظره كان عجيباً مُبسماً، ولكني لا أجد فيه الآن ما يدعو إلا للتثاؤب!


عدتُ ليس كعادتي، مكتظاً بالفراغ لا بشعور الإنجاز!

تأملتُ الساعة التي مضت، ورجوت أن أستيقظ إن كنت أحلم!
فقد تيقنت من أني دون الواقع بكل سيئاته وحُسَيْنَاتِهِ، لن أكون!

تعليقات

  1. halaamini قال:
    فبراير 6th, 2007 at 6 فبراير 2007 2:45 ص

    wonderfull.very deep yet very smooth

    ردحذف

إرسال تعليق