2009-02-15

هذا هو الإنسان



في 7 ديسمبر 2006 الساعة: 09:00 ص

على صفحة الزمان، تسافر إلينا من النسيان أشياءٌ كنا نحسب أنها اختفت تحت غبار الأيام المتلاحقة، وتتجه هذه الأشياء مباشرة إلى المواضع التي كانت بها في الذهن، فتثيرها وتثريها أكثر من ذي قبل، فنشعر بأنها تمر لأول مرة من فرط النشوة وحبكة التذكر. إننا نستطيع تذكر الماضي، وتخيل المستقبل، ولكن أن يرتحل إلينا من الماضي ما لم نكن لنستحضره أو نحاول تذكره، إنه لتعثرٌ غير منتـَظرٍ عن اللحاق بعقارب الوقت، فتتصوّر أن دوران الأرض توقف، ليمنحنا مبتسماً مساحة تأملية، فنتعانق والماضي في لوحة تجريدية موقعة باسم الذاكرة.

هذا هوَ الإنسان، مهما بالغ في تمسكه بيومه وغده، ومهما أسهب في التعلق بحاضره المفروض بحروبه وأحقاده، حاضره الفخور بصيحات الأنانية والإقدامات المحض حَدسية، دون مرتكزات أو خطوط واضحة لما ستؤول إليه الأمور، الممعِن في لجاجة الغرور والاتكالية والمحسوبية؛ سيعود رغماً إلى ماضي أخضرٍ رغيد، أو أسودٍ أرعنٍ عربيد، إن قصدته تلك الدعوة الجامحة للعودة.

وللحظات، قد تطول، نروح في تلك الإغفاءة، لنتلذذ بما مرّ إن كان أفضل، أو نشكر المولى على ما نحن فيه مِن فضل. فالاعتبار لا يأتي دون اقتران، كما الطير لا يتهادى بين النسائم، يميل ويشدو، ويهبط ويعلو، ويُشهدنا على بهاء خلقته وإيحاءاتها، وبديع أجنحته وإلهاماتها؛ دون اتزان. وهنا يأتي دور الحِكمة، فالتاريخ لم يؤرخ لغير حامليها، حتى يفهموا أسباب كل تقدّم أو تأخر، ويعلموا أن هناك أقواماً غدت العُليا لإيمانٍ وعزيمة وتضحيات، ولأنها لم تؤوِّل الواقع وتبالغ في استيعاب قدراته، بل فهمته وحفظته وفي حدوده إلى الطموح غير المحدود سارت، وأقواماً لَهت وتلاهت، إذ زُُيَنت لهم الشهوات القصيرة، وطُبع على قلوبهم بطمعٍ أو جهل أو تشطّر، فاغترتْ بالأماني بغدٍ يحسبونه – بقدرة قادرٍ – أجلّ وأجمل.

هكذا ينسابُ إلينا ما سلف، سلساً سهلاً كما سحابُ يومٍ نضرٍ له من دفء الشمس نصيب، لأنا كنا قد عِشناه بمآخذه ومناصبه، وتمعّنا في مشكلاته فحللناها أو داريناها أو بأمرها سلمنا وتكيفنا. ليس حتمياً أن يكون ما مضى أدجى وأسقم، فالكثيرون انتكسوا بعد انتصاب، وتحدّروا بعدَ اعتلاء، ولكن لا يهم هذا أو ذاكَ إن لم نبحث بجدية في إعادة سعدٍ سابقٍ بابتكار أسباب أخرى حديثة أو اتقاء بؤسٍ لاحق لإرادتنا المهترئة الرخيصة.

هناك 6 تعليقات:

  1. مجهول قال:
    ديسمبر 9th, 2006 at 9 ديسمبر 2006 10:41 ص

    السلام عليكم .وبارك الله فيك عالموضوع الجميل

    ردحذف
  2. قمر20 قال:
    ديسمبر 9th, 2006 at 9 ديسمبر 2006 11:55 ص

    سيدي..كلمات تصرخ في النفس..وها أنا لا زلت شاهقة أنفاسي بين كلماتك الرائعة..وحروفك التي وصفت بدقة حال الإنسان..

    رائع أنت..تقبل تحياتي وفائق احترامي

    ردحذف
  3. العاذلة قال:
    ديسمبر 9th, 2006 at 9 ديسمبر 2006 12:00 م

    كلمات عميقة في معانيها ودلالتها استوقفتني وأعادتني إلى الغور العميق في تلك النفس التي يصعب علينا في كثير من الأحيان أن نتلمس أبعادها أو نحدد أشكالها صدقت عندما قلت:

    فالاعتبار لا يأتي دون اقتران .

    وكم من اقتران يشعل في النفس من نيران

    بعد أن أخذتني تلك الكلمات أعادتني نهايتها إلى حيث ينبغي لنا أن نكون

    ليس حتمياً أن يكون ما مضى أدجى وأسقم، فالكثيرون انتكسوا بعد انتصاب، وتحدّروا بعدَ اعتلاء، ولكن لا يهم هذا أو ذاكَ إن لم نبحث بجدية في إعادة سعدٍ سابقٍ بابتكار أسباب أخرى حديثة أو اتقاء بؤسٍ لاحق لإرادتنا المهترئة الرخيصة.

    ردحذف
  4. رحيق الروح قال:
    ديسمبر 9th, 2006 at 9 ديسمبر 2006 7:32 م

    أسلوب قوي ورقيق في نفس الوقت …. ومعاني عميقة .استمتعت بقراءة مقالتك . وفقك الله أخي .

    ردحذف
  5. شمس فؤاد (عاشقة الصمت) قال:
    ديسمبر 10th, 2006 at 10 ديسمبر 2006 7:45 ص

    عزيزى/محمد

    اسلوبك جميل قورى ورقيق فى نفس الوقت ومعانيه كثيرة

    استمعت بهذه السطور وبقرأة مدونتك

    وفقك الله

    ودمت بخير

    ودمت مقالاتك رائعه

    وامنى زيارتك لمدونتى

    شمس

    ردحذف
  6. butterfly_jo قال:
    ديسمبر 10th, 2006 at 10 ديسمبر 2006 8:56 ص

    يسلم تيماك على هدا الكلام …. كلامات معبره قويه وعميقه بتعبر عن نفسيتك وكيف بتفكر ….. عن جد أثرت فيه كلاماتك روعـــــــــــــــــــــــــــــه

    الله يوفقك

    ويعطيك الألهام لكتابةمتل هدول المقالات

    ردحذف