2012-04-21

آلهة من نوع آخر!

تعلمت أن الناس من الخطأ الذي يتبعه اعتذار على ثلاثة أنواع! نوع يقبل ويغفر، وهو سليم القلب نقي الروح، الذي يؤمن بالاختلاف وأصالته، والأخطاء وقدمها، وأن من الفطرة أن يخطيء المرء حتى مع ربه، فيستغفر فيُغفر له.


ونوع لا يقبل ولا يغفر، لظنه أن المخطيء كان قاصداً، فيصف الاعتذار بالباهت البارد، ويقول "فلان قال كذا وكذا ثم اعتذر بكل بساطة"، وكأن الاعتذار على أنواع؛ نوع بسيط ونوع شبه بسيط، ونوع خشن، ونوع مدوٍّ، ونوع ربما له رائحة!


ومشكلة هؤلاء الذين لا يقبلون الاعتذار ولا يغفرون الخطأ أنهم تجاوزوا بأنفسهم حاجز البشرية إلى ما فوقها، فأتخيلهم آلهة من النوع الذي لا يُقتدى به! فهم على مبدأ "إن أحسن الناس فهو واجبهم، وإن أساؤوا واستغفروا فلن نقبل لهم عذراً".


أما النوع الثالث من صنوف الناس في الخطأ الذي يتبعه اعتذار، فهو الذي يؤِّل الخطأ ويفصله ويحوره وينسى الاعتذار، وإن ذكره أسماه تراجعاً، وكأنه في معركة حقيقية تراجع جيش عدوه فيها، وهذا الصنف من الناس هو أشدهم قساوة وأضلهم سريرة وأعزهم جهلاً، فعنده خارطة ثابتة لأشخاص في حياته يسميهم الأعداء، ويظن أنهم يصلون الليل بالنهار للنيل منه، ولا يسمح لأحد المساس بيقينه من أن الحياة مؤامرة، عليها نحيا وعليها نموت، وأن كل شيء له ما وراءه، وحسبه مما حوله ما يعتقد به لا ما يراه.


من طبيعة الأنام أن تستحلي ما يخدم آراءها وتروِّج له، ولكن البعض يبالغ في هذا حد السفه، فإن كره شخصاً فضح زلاته، ليثبت رأيه فيه، كما هو حال المتعصبين لفكرة أو شخصية أو شيء ما، تياراً فكرياً أو حزباً سياسياً أو نادياً رياضياً أو علامة تجارية، فيتعدَّى ذكر محاسن ما يؤمن به إلى استخطاء الآخر واستنقاصه، والبحث في الثنايا وبين الكلمات عما يشوِّهه ويجرحه، ويظن أنه بهذا أفاد وأنجز، لاعتقاده - كما تقدَّم - بأنه في معركة لا تنتهي ولا يريد لها أن تنتهي.


إن سلامة الظن من سلامة الفطرة واتزان الفكر، والاكتفاء بالظاهر كما يبدو لنا، دون استدراكات غالبها افتراءات، ليس سذاجة ولا حماقة، بل هو النهج المنطقي الأحق بالاتباع، فليس لأحد قراءة النوايا الخفية والسرائر الغيبية، ولا صدق الاعتذار وحقيقته.


إن صنع الأعداء ومناصبتهم العداء أسهل دائماً من الحصول على أصدقاء جدد والمحافظة عليهم، فما أجل أن نعذر، إذ نحن بالكاد نجد من يعتذر إن أخطأ، خصوصاً مع هذا الاتساع من الانفتاح الفكري، والتباري في إثبات الحقيقة، وكأن كل شخص يمتلكها كلها وحده دون سواه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق