2009-02-15

نيلز والشمطاء!


دخل الطلاب إلى قاعة امتحان نهاية السنة الدراسية لمادة الفيزياء. والجميع متخوّف مرتاب. فجامعة عريقة كالتي يدرسون بها، لا تنفض عنها إلا النجباء المجتهدين إلى مراتب أرفع، أو البلداء الراسبين إلى شوراع أوسع. وكان الامتحان يتكون من بضع أسئلة نظرية مباشرة، وسؤال أخير ذي بال. كان السؤال الأخير على النحو التالي:

- لديك جهاز بارومتر (جهاز فيزيائي لقياس الضغط)، وتقف إلى جوار مبنى ناطحُ سحاب. كيف تستطيع باستخدام الجهاز إيجاد إرتفاع المبنى؟.

والحل - كما أجاب معظم الطلاب، وكما هو موجود في نموذج الحل المثالي للامتحان - هوَ:

أن أصعد إلى سطح المبنى، وأقيس الضغط الجوي باستخدام الجهاز (الباروميتر)، ثم أستخدم القانون:

الارتفاع = (الضغط الجوي) / (تسارع الجاذبية الأرضية X كثافة الهواء).

إلاّ أن أحد الطلاب أجاب بإجابة خالفت كل التوقعات!. قال الطالب: أستطيع قياس ارتفاع المبنى بأن أصعد إلى سطحه، ثم أربط جهاز الباروميتر بحبل، وأجعله يتدلّى إلى أن يلامس الأرض. ثم أقيس طول الحبل، ومنه أعرف طول المبنى!!

أستاذ المادة رسّب الطالب بحجة أن إجابته ليست علمية. إلا أنّ الطالب احتجّ لدى الأستاذ بحكم أن إجابته فيزيائية ونتيجتها صحيحة مائة بالمائة. رُفع احتجاجه إلى مجلس أعضاء هيئة التدريس في قسم الفيزياء، والذين بدورهم قرروا عقد جلسة مع الطالب بحضور مدير قسم الفيزياء.

عُقدت الجلسة، وبادر مدير القسم الطالب بنفس السؤال الذي حدثت حوله كل هذه الجلبة. فأجاب الطالب:

- في الحقيقة يا أستاذ، لدي الكثير من الإجابات على هذا السؤال.

أخبره رئيس القسم بأن يوضّحها كلها، فقال الطالب:

- أستطيع قياس ارتفاع المبنى بالطرق التالية:

1- أن أقيس طول جهاز الباروميتر بمسطرة عادية، ثمّ أتحيّن لحظة شروق الشمس، وأقيس طول ظل جهاز الباروميتر، وباستخدام قوانين المثلثات والتناسب، أوجد طول ظل المبنى في نفس الوقت، وبالتالي أستطيع إيجاد طوله.

2- أن أخبر أحدهم بأن يُسقط جهاز الباروميتر سقوطاً حُرّاً من فوق سطح المبنى، وأنتظر أنا الجهاز في أسفل المبنى لأحسب الزمن الذي يستغرقه حتى يصطدم بالأرض، وباستخدام قانون نيوتن للسقوط الحر، أستطيع إيجاد طول المبنى.

3- أن أبحث عن حارس المبنى، وأخبره بأني سأعطيه جهاز الباروميتر هدية إذا أخبرني بطول المبنى، لأنه حتماً سيكون عالماً بطوله.

4- أن أستخدم الطريقة الأكثر تعقيداً، وهيَ أن أقيس ضغط الهواء على سطح المبنى بواسطة جهاز الباروميتر، وأستنتج طول المبنى باستخدام قانون قياس الضغط.

كانت الإجابة الرابعة هيَ التي ينتظرها منه رئيس القسم، وأستاذه وبقية الحضور. إلا أنه كان مُصيباً في كل إجاباته. وهكذا دُهش الجميع، وأعلن أستاذه نجاحه في الإمتحان.

من هذا المدخل الفيزيائيّ المتعمّق بعض الشئ، وددت استنتاج فائدة ربما عزوفنا عنها كان سبب استمرار سباحتنا في وحل التأخر، وارتباطنا المهول بشراك الدونية. إني أتحدث عن عربستان. عن بلاد البترول والصيد والمرجان. عن بلاد كانت منبع للرسالات والدراسات والنظريات. عن بلاد تتجه ومازالت أنظار الجميع إليها ومَن فيها.

كثرت تبريرات تقدمنا إلى الخلف. وكثرت بكثرة عشق شعوب عربستان للإتكالية والرفاهية والجنس. ولكن، ربما يجتمع الكثيرين حول أن سبب تأخرنا - في 99.9 % من المجالات - هوَ بسبب تسوير دول العالم الأول لنا، وقطعهم لكل مدعاة تجعل منا شعوباً قوية مكينة لها هيبتها وسؤددها ومنزلتها بين العوالم. هذا بشكل أو بآخر صحيح. والأمثلة غزيرة. إليكم المفاعل النووي الذي بدأ بناءه النظام العراقي السابق، وانتهى به الأمر بأن ساوته بالبسيطة صواريخ إسرائيل. عبرت طائرة مُثقلة بالقنابل أجواء ثلاثة دول عربستانية، ولم يُشر أحدهم ببنان استنكار (قلت استنكار لأنا تعودنا عليه)، فضلاً عن أن يعترض ويرد على هذا الإختراق الجوي بأسلوب يحفظ حُرمة المستباح، أو يستبقي أملاً لاح. ولكن، تعودنا النوم في وضح الصباح.

أو عليكم بتجربة محمد علي في صناعة السفن التي كانت نموذجاً أرسل اليابانيون وفدين لدراسة هذه الأعجوبة. كيف استطاع بلد غير أوروبي أن يصبح في عداد الرقم الرابع أو الخامس بين الدول المتطورة في أوروبا؟

ولكن هذه التجربة أجهضت بالقوة المسلحة، حيث اتفقت الدول الاستعمارية مع روسيا في ذلك الوقت وهي بريطانيا وفرنسا والنمسا وألمانيا مجتمعة لضرب محمد علي، وبعد أن ضربوه، وهذه المشكلة الأكبر، أن بريطانيا لم تكتفِ أن تضرب خصماً سياسياً أو تزيح طموح سياسي كان يتجه إلى توحيد عربي واسع وربما إسلامي، بل فككت المصانع، ودمرت ما أنجزه من علماء، حتى أن بعض المصانع نقلتها إلى بريطانيا، وبعضها رمتها في (سيشل) حتى يأكلها الصدأ، لأنه كان يجب أن تمنع مصر من أن تتحول إلى دولة كبرى.

بل القضية الأكبر والأحدث أنه بعد 1991، وتحديداً بعد حرب الخليج، صدر قرار، وكتبته الصحف، مفاده أن على أميركا ودول الغرب أن يلاحقوا العرب والطلبة العرب، ويتابعوا دراساتهم أين ما كانوا, وإلى أين يصلوا. بل الأكثر من ذلك، طُلب من الأساتذة الغربيين المنتدبين في الجامعات العربية أن يقدموا تقريراً عن البرامج العلمية التي تعلَّم في الجامعات العربية.

كل هذا، ربما يكون مبرراً صارماً، ولكنه ليس نهاية المطاف.

قصة طالب الفيزياء التي قدّمتُ بها، برهان جليّ لأن المسائل في الفيزياء قد تحل بأكثر من طريقة. وكلها صائبة. فكيف بمشاكل الدول أو الشعوب، والتي تتحكم في حلولها مجالات أكثر وأبعد من أن تنصبّ في علم واحد. ولكن مشكلتنا - يا سادة - هيَ أننا لا نبحث عن الحلول بقدر ما نبحث عن مداعي الدفاع عن أسباب عدم دخولنا بعدُ عصر التصنيع, فيما تجاوزنا الرّكب الغربي والشرقي من حولنا إلى عصر ما بعد التصنيع. نحن نعاني من اضطهاد وهيمنة غربية، هذا أكيد. ولكن ذلك لا يستدعي - البتة - أن نظلّ في الأرجوحة دون ذهاب أو جيئة.

كوبا عانت, ولا زالت تعاني من ويلات حربها التي خاضتها مع أمريكا، والتي أنهتها واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية أدهى من تلك التي فرضتها على العراق. حصار تجويعي قسري لمدة خمسين عاماً. ومع ذلك، والآن على الأقل، وباعتراف الأميركيين والعالم والأمم المتحدة، كوبا لا تزال تملك أفضل خدمات صحية في العالم، كوبا لا تزال تصدر أطباء ومهندسين ومعلمين وممرضين إلى دول العالم الثالث، كوبا لا تزال تطبّب حتى الآن ضحايا تشرنوبل من أوكرانيا، وبيلاروس، وروسيا مجاناً.

الصين، هل كان الصينيون يستعدون أو ينتظرون مساعدة الغرب بعد 1949 ومسيرة الألف ميل التي قام بها (ماو تسي تونغ) حتى ينشئوا نهضتهم الصناعية والزراعية والتكنولوجية وغيرها؟ بالطبع لا، حُوربوا من كل القوى العظمى، بما في ذلك من الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، وبالرغم من ذلك صمدوا وقارعوا، واستمروا. إلى أن صار اسم صناعاتهم في كل مدينة في العالم بسبب إصرارهم وتصميمهم على إصابة أهدافهم.

الأمثلة كثيرة. إلا عربستان!, هذه الشمطاء التي ترفض الموت فضلاً عن الحياة. لا تزال في عقر دار القرون الوسطى. ترفضُ تجربة صديقنا الطالب الفيزيائي في البحث عن الحلول. وتشحذ التطور، وتهتم لتراثها اهتماماً يفوق اهتمام أمريكا لضمان أمن إسرائيل.

بقيَ أن تستنتجوا بأنفسكم عظم مُصابنا، وجواز هواننا على أنفسنا .. والكائنات أجمعين.



---------

إشارة:

- الطالب الذي أشرتُ إلى نبوغه في بداية المقال اسمه نيلز بور. والذي أصبح فيما بعد عالماً فيزيائياً وحاز على جائزة نوبل في الفيزياء.

هناك تعليقان (2):

  1. masma: سبحت في بحرك فأعجبني ما وجدت

    وتنقلت في بستان أفكارك فراق لي صافي ماءه ويانع ثمرة

    ربما لن تعبر الكلمات عن مدى إعجابي بحرفك

    ولكن قالت العرب كفا بالمرء نبلا أن تعد معايبه

    فكفا بموضوعك روعة أني لم أجد فيه ثلمة ولم أرى فيه ندبة

    غير جعلك زمن توقف ساعة حضارة أمتنا في القرون الوسطى

    وليتها توقفت هناك ….

    ففي القرون الوسطى كانت نهضة الإسلام و عصر الفتوحات وعهد الحضارة و زمن العلم
    حين كانت أوربا تتخبط في عصور الظلام

    فالقرون الوسطى عندهم تخلف ولكنها عندنا رفعة وتقدم

    أعود لأسجل إعجابي

    ودمت مبدعا أبدا

    أختك ماء السماء
    http://masma.ektob.com

    ردحذف
  2. مجهول: وين برامج الأطفال الجديدة نيلز والسنافر والشناكل والأشياء الحلوة

    الي كانت زمان

    ردحذف